Senin, 01 Februari 2010

Ta'awwudz dalam Tafsir Al-Razy


نقلت من كتاب مفاتيح الغيب للامام فخر الدين الرازي

القسم الثاني : من هذا الكتاب المشتمل على تفسير ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) في المباحث النقلية والعقلية وفيه أبواب : - ، الباب الأول ، ، في المسائل الفقهية المستنبطة من قولنا ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ، ، المسألة الأولى ، اتفق الأكثرون على أن وقت قراءة الاستعاذ قبل قراءة الفاتحة وعن النخعي أنه بعدها وهو قول داود الأصفهاني وإحدى الروايتين عن ابن سيرين وهؤلاء قالوا : الرجل إذا قرأ سورة الفاتحة بتمامها وقال ( آمين ) فبعد ذلك يقول : أعوذ بالله والأولون احتجوا بما روى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال : الله أكبر كبيرا ثلاث مرات والحمد لله كثيرا ثلاث مرات وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات ثم قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه . واحتج المخالف على صحة قوله بقوله سبحانه : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [ النحل : 98 ] دلت هذه الآية على أن قراءة القرآن شرط وذكر الاستعاذة جزاء والجزاء متأخر عن الشرط فوجب أن تكون الاستعاذة متأخره عن قراءة القرآن ثم قالوا : وهذا موافق لما في العقل لأن من قرأ القرآن فقد استوجب الثواب العظيم فلو دخله العجب في آداء تلك الطاعة سقط ذلك الثواب لقوله عليه الصلاة والسلام ثلاث مهلكات وذكر منها إعجاب المرء بنفسه ؛ فلهذا السبب أمره الله سبحانه وتعالى بأن يستعيذ من الشيطان لئلا يحمله الشيطان بعد قراءة القرآن على عمل يحبط ثواب تلك الطاعة . قالوا : ولا يجوز أن يقال : إن المراد من قوله تعالى : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ كما في قوله تعالى : {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [ المائدة : 6 ] والمعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة لأنه يقال : ترك الظاهر في موضع الدليل لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير دليل . أما جمهور الفقهاء فقالوا : لا شك أن قوله : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ} [ النحل : 98 ] يحتمل أن يكون المراد منه إذا أردت وإذا ثبت الاحتمال وجب حمل اللفظ عليه توفيقا بين هذه الآية وبين الخبر الذي رويناه ومما يقوي ذلك من المناسبات العقلية أن المقصود من الاستعاذة نفي وساوس الشيطان عند القراءة قال تعالى : {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان} [ الحج : 52 ] وإنما أمر تعالى بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذا السبب . وأقول : ههنا قول ثالث : وهو أن يقرأ الاستعاذة قبل القراءة بمقتضى الخبر وبعدها بمقتضى القرآن جمعا بين الدليلين بقدر الإمكان . المسألة الثانية ، قال عطاء : الاستعاذة واجبة لكل قراءة سواء كانت في الصلاة أو في غيرها وقال ابن سيرين : إذا تعوذ الرجل مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب وقال الباقون : إنها غير واجبة . حجة الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة ولقائل أن يقول : إن ذلك الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة فلا يلزم من عدم ذكر الاستعاذة فيه عدم وجوبها . واحتج عطاء على وجوب الاستعاذة بوجوه : الأول : أنه عليه السلام واظب عليه فيكون واجبا لقوله تعالى : {واتبعوه} [ الأعراف : 158 ] . الثاني : أن قوله تعالى : {فاستعذ} أمر وهو للوجوب ثم إنه يجب القول بوجوبه عند كل القراءات لأنه تعالى قال : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} [ النحل : 98 ] وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على التعليل والحكم يتكرر لأجل تكرر العلة . الثالث : أنه تعالى أمر بالاستعاذة لدفع الشر من الشيطان الرجيم لأن قوله {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} مشعر بذلك ودفع شر الشيطان واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فوجب أن تكون الاستعاذة واجبة . الرابع : أن طريقة الاحتياط توجب الاستعاذة فهذا ما لخصناه في هذه المسألة . المسألة الثالثة ، التعوذ مستحب قبل القراءة عند الأكثرين وقال مالك لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ في قيام شهر رمضان لنا الآية التي تلوناها والخبر الذي رويناه وكلاهما يفيد الوجوب فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندب . المسألة الرابعة ، قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : روي أن عبد الله بن عمر لما قرأ أسر بالتعوذ وعن أبي هريرة أنه جهر ثم قال : فإن جهر به جاز وإن أسر به أيضا جاز وقال في الإملاء : ويجهر بالتعوذ فإن أسر لم يضر بين أن الجهر عنده أولى وأقول : الاستعاذة إنما تقرأ بعد الافتتاح وقبل الفاتحة فإن ألحقناها بما قبلها لزم الإسرار وإن ألحقناها بالفاتحة لزم الجهر إلا أن المشابهة بينها وبين الافتتاح أتم لكون كل واحد منهما نافلة عند الفقهاء ولأن الجهر كيفية وجودية والإخفاء عبارة عن عدم تلك الكيفية والأصل هو العدم . المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : قيل إنه يتعوذ في كل ركعة ثم قال : والذي أقوله إنه لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى وأقول : له أن يحتج عليه بأن الأصل هو العدم وما لأجله أمرنا بذكر الاستعاذة هو قوله : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} وكلمة إذا لا تفيد العموم ولقائل أن يقول : قد ذكرنا أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على العلية فيلزم أن يتكرر الحكم بتكرر العلة والله أعلم . المسألة السادسة ، أنه تعالى قال في سورة النحل : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [ النحل : 98 ] وقال في سورة أخرى : {إنه هو السميع العليم} [ الأنفال : 61 ] وفي سورة ثالثة {إنه سميع عليم} [ الأعراف : 200 ] فلهذا السبب اختلف العلماء فقال الشافعي : واجب أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو قول أبي حنيفة قالوا : لأن هذا النظم موافق لقوله تعالى : فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وموافق أيضا لظاهر الخبر الذي رويناه عن جبير بن مطعم وقال أحمد : الأولى أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم جمعا بين الآيتين وقال بعض أصحابنا الأولى أن يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم لأن هذا أيضا جمع بين الآيتين وروى البيهقي في كتاب السنن عن أبي سعيد الخدري أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر ثلاثا وقال : # أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقال الثوري والأوزاعي : الأولى أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم وروى الضحاك عن ابن عباس أن أول ما نزل جبريل على محمد عليه الصلاة والسلام قال : قل يا محمد : استعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال : قل : {بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق} [ العلق : 1 ] . وبالجملة فالاستعاذة تطهر القلب عن كل ما يكون مانعا من الاستغراق في الله والتسمية توجه القلب إلى هيبة جلال الله والله الهادي . المسألة السابعة ، التعوذ في الصلاة لأجل القراءة أم لأجل الصلاة ؟ عند أبي حنيفة ومحمد أنه لأجل القراءة وعند أبي يوسف أنه لأجل الصلاة ويتفرع على هذا الأصل فرعان : الفرع الأول : أن المؤتم هل يتعوذ خلف الإمام أم لا ؟ عندهما لا يتعوذ لأنه لا يقرأ وعنده يتعوذ وجه قولهما قوله تعالى : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [ النحل : 98 ] علق الاستعاذة على القراءة ولا قراءة على المقتدي فلا يتعوذ ووجه أبي يوسف أن التعوذ لو كان للقراءة لكان يتكرر بتكرر القراءة ولما لم يكن كذلك بل كرر بتكرر الصلاة دل على أنها للصلاة لا للقراءة الفرع الثاني : إذا افتتح صلاة العيد فقال : سبحانك اللهم وبحمدك هل يقول : أعوذ بالله ثم يكبر أم لا ؟ عندهما أنه يكبر التكبيرات ثم يتعوذ عند القراءة وعند أبي يوسف يقدم التعوذ على التكبيرات . وبقي من مسائل الفاتحة أشياء نذكرها ههنا : - ، المسألة الثامنة ، السنة أن يقرأ القرآن على الترتيل لقوله تعالى {ورتل القرآن ترتيلا} [ المزمل : 4 ] والترتيل هو أن يذكر الحروف والكلمات مبينة ظاهرة والفائدة فيه أنه إذا وقعت القراءة على هذا الوجه فهم من نفسه معاني تلك الألفاظ وأفهم غيره تلك المعاني وإذا قرأها بالسرعة لم يفهم ولم يفهم فكان الترتيل أولى فقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا قال أبو سليمان الخطابي : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة يقال للقارئ : اقرأ وارق في الدرج على عدد ما كنت تقرأ من القرآن فمن استوفى قراءة جميع آي القرآن استولى على أقصى الجنة . المسألة التاسعة ، إذا قرأ القرآن فالسنة أن يجيد في القراءة روى أبو داود عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # زينوا القرآن بأصواتكم . المسألة العاشرة ، المختار عندنا أن اشتباه الضاد بالظاء لا يبطل الصلاة ويدل على أن المشابهة حاصلة بينهما جدا والتمييز عسر فوجب أن يسقط التكليف بالفرق بيان المشابهة من وجوه : الأول : أنهما من الحروف المجهورة والثاني : أنهما من الحروف الرخوة والثالث : أنهما من الحروف المطبقة والرابع : أن الظاء وإن كان مخرجه من بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ومخرج الضاد من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس إلا أنه حصل في الضاد انبساط لأجل رخاوتها وبهذا السبب يقرب مخرجه من مخرج الظاء والخامس : أن النطق بحرف الضاد مخصوص بالعرب قال عليه الصلاة والسلام : # أنا أفصح من نطق بالضاد فثبت بما ذكرنا أن المشابهة بين الضاد والظاء شديدة وأن التمييز عسر وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان هذا الفرق معتبرا لوقع السؤال عنه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وفي أزمنة الصحابة لا سيما عند دخول العجم في الإسلام فلما لم ينقل وقوع السؤال عن هذه المسألة البتة علمنا أن التمييز بين هذين الحرفين ليس في محل التكليف . المسألة الحادية عشرة ، اختلفوا في أن اللام المغلظة هل هي من اللغات الفصيحة أم لا ؟ وبتقدير أن يثبت كونها من اللغات الفصيحة لكنهم اتفقوا على أنه لا يجوز تغليظها حال كونها مكسورة لأن الانتقال من الكسرة إلى التلفظ باللام المغلظة ثقيل على اللسان فوجب نفيه عن هذه اللغة . المسألة الثانية عشرة ، اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذة مثل قولهم الحمد لله بكسر الدال من الحمد أو بضم اللام من لله لأن الدليل ينفي جواز القراءة بها مطلقا لأنها لو كانت من القرآن لوجب بلوغها في الشهرة إلى حد التواتر ولما لم يكن كذلك علمنا أنها ليست من القرآن إلا أنا عدلنا عن هذا الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع . المسألة الثالثة عشرة ، اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالنقل المتواتر وفيه إشكال : وذلك لأنا نقول : هذه القراءات المشهورة إما أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا تكون فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أن الله تعالى قد خير المكلفين بين هذه القراءات وسوى بينها في الجواز وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر فوجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير لكنا نرى أن كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة ويحمل الناس عليها ويمنعهم من غيرها فوجب أن يلزم في حقهم ما ذكرناه وأما إن قلنا إن هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع واليقين وذلك باطل بالإجماع ولقائل أن يجيب عنه فيقول : بعضها متواتر ولا خلاف بين الأمة فيه وتجويز القراءة بكل واحد منها وبعضها من باب الآحاد وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكليته عن كونه قطعيا والله أعلم . الباب الثاني ، ، في المباحث العقلية المستنبطة من قولنا ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ، اعلم أن الكلام في هذا الباب يتعلق بأركان خمسة : الاستعاذة والمستعيذ والمستعاذ به والمستعاذ منه والشيء الذي لأجله تحصل الاستعاذة . الركن الأول ، في الاستعاذة وفيه مسائل : - ، المسألة الأولى ، في تفسير قولنا : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بحسب اللغة فنقول : قوله ( أعوذ ) مشتق من العوذ وله معنيان : أحدهما : الالتجاء والاستجارة والثاني : الالتصاق يقال أطيب اللحم عوذه وهو ما التصق منه بالعظم فعلى الوجه الأول معنى قوله أعوذ بالله أي : ألتجئ إلى رحمة الله تعالى وعصمته وعلى الوجه الثاني معناه ألتصق نفسي بفضل الله وبرحمته . وأما الشيطان ففيه قولان : الأول أنه مشتق من الشطن وهو البعد يقال : شطن دارك أي بعد فلا جرم سمي كل متمرد من جن وإنس ودابة شيطانا لبعده من الرشاد والسداد قال الله تعالى : {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} [ الأنعام : 112 ] فجعل من الإنس شياطين وركب عمر برذونا فطفق يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه وقال : ما حملتموني إلا على شيطان . والقول الثاني أن الشيطان مأخوذ من قوله شاط يشيط إذا بطل ولما كان كل متمرد كالباطل في نفسه بسبب كونه مبطلا لوجوه مصالح نفسه سمي شيطانا . وأما الرجيم فمعناه المرجوم فهو فعيل بمعنى مفعول . كقولهم : كف خضيب أي مخضوب ورجل لعين أي ملعون ثم في كونه مرجوما وجهان : الأول : أن كونه مرجوما كونه ملعونا من قبل الله تعالى قال الله تعالى : {اخرج منها فإنك رجيم} [ الحجر : 34 ] واللعن يسمى رجما وحكى الله تعالى عن والد إبراهيم عليه السلام أنه قال له : {لئن لم تنته لارجمنك} [ مريم : 46 ] قيل عنى به الرجم بالقول وحكى الله تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا {لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} [ الشعراء : 116 ] وفي سورة يس {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم} [ يس : 18 ] والوجه الثاني أن الشيطان إنما وصف بكونه مرجوما لأنه تعالى أمر الملائكة برمي الشياطين بالشهب والثواقب طردا لهم من السموات ثم وصف بذلك كل شرير متمرد . وأما قوله : {إنه هو السميع العليم} [ الأنفال : 61 ] ففيه وجهان الأول : أن الغرض من الاستعاذة الاحتراز من شر الوسوسة ومعلوم أن الوسوسة كأنها حروف خفية في قلب الإنسان ولا يطلع عليها أحد فكأن العبد يقول : يا من هو على هذه الصفة التي يسمع بها كل مسموع ويعلم كل سر خفي أنت تسمع وسوسة الشيطان وتعلم غرضه فيها وأنت القادر على دفعها عني فادفعها عني بفضلك فلهذا السبب كان ذكر السميع العليم أولى بهذا الموضع من سائر الأذكار الثاني : أنه إنما تعين هذا الذكر بهذا الموضع اقتداء بلفظ القرآن وهو قوله تعالى : {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} [ : 200 ] وقال في حم السجدة : {إنه هو السميع العليم} [ فصلت : 36 ] . المسألة الثانية ، في البحث العقلي عن ماهية الاستعاذة : اعلم أن الاستعاذة لا تتم إلا بعلم وحال وعمل أما العلم فهو كون العبد عالما بكونه عاجزا عن جلب المنافع الدينية والدنيوية وعن دفع جميع المضار الدينية والدنيوية وأن الله تعالى قادر على إيجاد جميع المنافع الدينية والدنيوية وعلى دفع جميع المضار الدينية والدنيوية قدرة لا يقدر أحد سواه على دفعها عنه . فإذا حصل هذا العلم في القلب تولد عن هذا العلم حصول حالة في القلب وهي انكسار وتواضع ويعبر عن تلك الحالة بالتضرع إلى الله تعالى والخضوع له ثم إن حصول تلك الحالة في القلب يوجب حصول صفة أخرى في القلب وصفة في اللسان أما الصفة الحاصلة في القلب فهي أن يصير العبد مريدا لأن يصونه تعالى عن الآفات ويخصه بإفاضة الخيرات والحسنات وأما الصفة التي في اللسان فهي أن يصير العبد طالبا لهذا المعنى بلسانه من الله تعالى وذلك الطلب هو الاستعاذة وهو قوله ( أعوذ بالله ) إذا عرفت ما ذكرنا يظهر لك أن الركن الأعظم في الاستعاذة هو علمه بالله وعلمه بنفسه وأما علمه بالله فهو أن يعلم كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع المعلومات فإنه لو لم يكن الأمر كذلك لجاز أن لا يكون الله عالما به ولا بأحواله فعلى هذا التقدير تكون الاستعاذة به عبثا ولا بد أن يعلم كونه قادرا على جميع الممكنات وإلا فربما كان عاجزا عن تحصيل مراد البعد ولا بد أن يعلم أيضا كونه جوادا مطلقا إذ لو كان البخل عليه جائزا لما كان في الاستعاذة فائدة ولا بد أيضا وأن يعلم أنه لا يقدر أحد سوى الله تعالى على أن يعينه على مقاصده إذ لو جاز أن يكون غير الله يعينه على مقاصده لم تكن الرغبة قوية في الاستعاذة بالله وذلك لا يتم إلا بالتوحيد المطلق وأعني بالتوحيد المطلق أن يعلم أن مدبر العالم واحد وأن يعلم أيضا أن العبد غير مستقل بأفعال نفسه إذ لو كان مستقلا بأفعال نفسه لم يكن في الاستعاذة بالغير فائدة فثبت بما ذكرنا أن العبد ما لم يعرف عزة الربوبية وذلة العبودية لا يصح منه أن يقول : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ومن الناس من يقول : لا حاجة في هذا الذكر إلى العلم بهذه المقدمات بل الإنسان إذا جوز كون الأمر كذلك حسن منه أن يقول : أعوذ بالله على سبيل الإجمال وهذا ضعيف جدا لأن إبراهيم عليه السلام عاب أباه في قوله : {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} [ مريم : 42 ] فبتقدير أن لا يكون الإله عالما بكل المعلومات قادرا على جميع المقدورات كان سؤاله سؤالا لمن لا يسمع ولا يبصر وكان داخلا تحت ما جعله إبراهيم عليه السلام عيبا على أبيه . وأما علم العبد بحال نفسه فلا بد وان يعلم عجزه وقصوره عن رعاية مصالح نفسه على سبيل التمام وأن يعلم أيضا أنه بتقدير أن يعلم تلك المصالح بحسب الكيفية والكمية لكنه لا يمكنه تحصيلها عند عدمها ولا إبقاؤها عند وجودها . إذا عرفت هذا فنقول : إنه إذا حصلت هذه العلوم في قلب العبد وصار مشاهدا لها متيقنا فيها وجب أن يحصل في قلبه تلك الحالة المسماة بالانكسار والخضوع وحينئذ يحصل في قلبه الطلب وفي لسانه اللفظ الدال على ذلك الطلب وذلك هو قوله : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) والذي يدل على كون الإنسان عاجزا عن تحصيل مصالح نفسه في الدنيا والآخرة أن الصادر عن الإنسان إما العمل وإما العلم وهو في كلا البابين في الحقيقة في غاية العجز أما العلم فما أشد الحاجة في تحصيله إلى الاستعاذة بالله وفي الاحتراز عن حصول ضده إلى الاستعاذة بالله ويدل عليه وجوه : - الحجة الأولى : أنا كم رأينا من الأكياس المحققين بقوا في شبهة واحدة طول عمرهم ولم يعرفوا الجواب عنها بل أصروا عليها وظنوها علما يقينيا وبرهانا جليا ثم بعد انقضاء أعمارهم جاء بعدهم من تنبه لوجه الغلط فيها وأظهر للناس وجه فسادها وإذا جاز ذلك على بعض الناس جاز على الكل مثله ولولا هذا السبب لما وقع بين أهل العلم اختلاف في الأديان والمذاهب وإذا كان الأمر كذلك فلولا إعانة الله وفضله وإرشاده وإلا فمن ذا الذي يتخلص بسفينة فكره من أمواج الضلالات ودياجي الظلمات ؟ الحجة الثانية : أن كل أحد إنما يقصد أن يحصل له الدين الحق والاعتقاد الصحيح وإن أحدا لا يرضى لنفسه بالجهل والكفر فلو كان الأمر بحسب سعيه وإرادته لوجب كون الكل محقين صادقين وحيث لم يكن الأمر كذلك بل نجد المحقين في جنب المبطلين كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود علمنا أنه لا خلاص من ظلمات الضلالات إلا بإعانة إله الأرض والسموات . الحجة الثالثة : أن القضية التي توقف الإنسان في صحتها وفسادها فإنه لا سبيل له إلى الجزم بها إلا إذا دخل فيما بينهما الحد الأوسط فنقول : ذلك الحد الأوسط إن كان حاضرا في عقله كان القياس منعقدا والنتيجة لازمة . فحينئذ لا يكون العقل متوقفا في تلك القضية بل يكون جازما بها وقد فرضناه متوقفا فيها هذا خلف وأما إن قلنا إن ذلك الحد الأوسط غير حاضر في عقله فهل يمكنه طلبه أو لا يمكنه طلبه ؟ والأول باطل لأنه إن كان لا يعرفه بعينه فكيف يطلبه ؟ لأن طلب الشيء بعينه إنما يمكن بعد الشعور به وإن كان يعرفه بعينه فالعلم به حاضر في ذهنه فكيف يطلب تحصيل الحاصل ؟ وأما إن كان لا يمكنه طلبه فحينئذ يكون عاجزا عن تحصيل الطريق الذي يتخلص به من ذلك التوقف ويخرج من ظلمة تلك الحيرة وهذا يدل على كون العبد في غاية الحيرة والدهشة . الحجة الرابعة : أنه تعالى قال لرسوله عليه الصلاة والسلام {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} [ المؤمنون : 97 ] فهذه الاستعاذة مطلقة غير مقيدة بحالة مخصوصة فهذا بيان كمال عجز العبد عن تحصيل العقائد والعلوم وأما عجز العبد عن الأعمال الظاهرة التي يجر بها النفع إلى نفسه ويدفع بها الضرر عن نفسه فهذا أيضا كذلك ويدل عليه وجوه : الأول : أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن هذا البدن يشبه الجحيم وانكشف لهم أنه جلس على باب هذا الجحيم تسعة عشر نوعا من الزبانية وهي الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والشهوة والغضب والقوى الطبيعية السبع وكل واحد من هذه التسعة عشر فهو واحد بحسب الجنس إلا أنه يدخل تحت كل واحد منها أعداد لا نهاية لها بحسب الشخص والعدد واعتبر ذلك بالقوة الباصرة فإن الأشياء التي تقوى القوة الباصرة على إدراكها أمور غير متناهية ويحصل من إبصار كل واحد منها أثر خاص في القلب وذلك الأثر يجر القلب من أوج عالم الروحانيات إلى حضيض عالم الجسمانيات وإذا عرفت هذا ظهر أن مع كثرة هذه العوائق والعلائق أنه لا خلاص للقلب من هذه الظلمات إلا بإعانة الله تعالى وإغاثته ولما ثبت أنه لا نهاية لجهات نقصانات العبد ولا نهاية لكمال رحمة الله وقدرته وحكمته ثبت أن الاستعاذة بالله واجبة في كل الأوقات فلهذا السبب يجب علينا في أول كل قول وعمل ومبدأ كل لفظة ولحظة أن نقول : {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} . الحجة الخامسة : أن اللذات الحاصلة في هذه الحياة العاجلة قسمان : أحدهما : اللذات الحسية والثاني : اللذات الخيالية وهي لذة الرياسة وفي كل واحد من هذين القسمين الإنسان إذا لم يمكن أن يمارس تحصيل تلك اللذات ولم يزاولها لم يكن له شعور بها وإذا كان عديم الشعور بها كان قليل الرغبة فيها ثم إذا مارسها ووقف عليها التذ بها وإذا حصل الالتذاذ بها قويت رغبته فيها وكلما اجتهد الإنسان حتى وصل إلى مقام آخر في تحصيل اللذات والطيبات وصل في شدة الرغبة وقوة الحرص إلى مقام آخر أعلى مما كان قبل ذلك فالحاصل أن الإنسان كلما كان أكثر فوزا بالمطالب كان أعظم حرصا وأشد رغبة في تحصيل الزائد عليها وإذا كان لا نهاية لمراتب الكمالات فكذلك لا نهاية لدرجات الحرص وكما أنه لا يمكن تحصيل الكمالات التي لا نهاية لها فكذلك لا يمكن إزالة ألم الشوق والحرص عن القلب فثبت أن هذا مرض لا قدرة للعبد على علاجه ووجب الرجوع فيه إلى الرحيم الكريم الناصر لعباده فيقال : {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} . الحجة السادسة : في تقرير ما ذكرناه قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} وقوله : {واستعينوا بالصبر والصلاة} [ البقرة : 45 ] وقول موسى لقومه : {استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [ الأعراف : 128 ] وفي بعض الكتب الإلهية أن الله تعالى يقول : وعزتي وجلالي لأقطعن امل كل مؤمل غيري باليأس ولألبسنه ثوب المذلة عند الناس ولأخيبنه من قربي ولأبعدنه من وصلي ولأجعلنه متفكرا حيران يؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم ويرجو غيري ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني . المسألة الثالثة ، في أن الاستعاذة كيف تصح على مذهب أهل الجبر ومذهب القدرية قالت المعتزلة : قوله : ( أعوذ بالله ) يبطل القول بالجبر من وجوه : - الأول : أن قوله : {أعوذ بالله} اعتراف بكون العبد فاعلا لتلك الاستعاذة ولو كان خالق الأعمال هو الله تعالى لامتنع كون العبد فاعلا لأن تحصيل الحاصل محال وأيضا فإذا خلقه الله في العبد امتنع دفعه وإذا لم يخلقه الله فيه امتنع تحصيله فثبت أن قوله : ( أعوذ بالله ) اعتراف بكون العبد موجدا لأفعال نفسه . والثاني : أن الاستعاذة إنما تحسن من الله تعالى إذا لم يكن الله تعالى خالقا للأمور التي منها يستعاذ أما إذا كان الفاعل لها هو الله تعالى امتنع أن يستعاذ بالله منها لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد استعاذ بالله من الله في عين ما يفعله الله . والثالث : أن الاستعاذة بالله من المعاصي تدل على أن العبد غير راض بها ولو كانت المعاصي تحصل بتخليق الله تعالى وقضائه وحكمه وجب على العبد كونه راضيا بها ؛ لما ثبت بالإجماع أن الرضا بقضاء الله واجب . والرابع : أن الاستعاذة بالله من الشيطان إنما تعقل وتحسن لو كانت تلك الوسوسة فعلا للشيطان أما إذا كانت فعلا لله ولم يكن للشيطان في وجودها أثر البتة فكيف يستعاذ من شر الشيطان بل الواجب أن يستعاذ على هذا التقدير من شر الله تعالى لأنه لا شر إلا من قبله . الخامس : أن الشيطان يقول : إذا كنت ما فعلت شيئا أصلا وأنت يا إله الخلق علمت صدور الوسوسة عني ولا قدرة لي على مخالفة قدرتك وحكمت بها علي ولا قدر لي على مخالفة حكمك ثم قلت : {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [ البقرة : 286 ] وقلت : {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [ البقرة : 185 ] وقلت : {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [ الحج : 78 ] فمع هذه الأعذار الظاهرة والأسباب القوية كيف يجوز في حكمتك ورحمتك أن تذمني وتلعنني ؟ السادس : جعلتني مرجوما ملعونا بسبب جرم صدر مني أو لا بسبب جرم صدر مني ؟ فإن كان الأول ؛ فقد بطل الجبر وإن كان الثاني ؛ فهذا محض الظلم وأنت قلت : {وما الله يريد ظلما للعباد} [ غافر : 31 ] فكيف يليق هذا بك ؟ فإن قال قائل : هذه الإشكالات إنما تلزم على قول من يقول بالجبر وأنا لا أقول بالجبر ولا بالقدر ؛ بل أقول : الحق حالة متوسطة بين الجبر والقدر وهو الكسب . فنقول : هذا ضعيف ؛ لأنه إما أن يكون لقدرة العبد أثر في الفعل على سبيل الاستقلال أو لا يكون فإن كان الأول ؛ فهو تمام القول بالاعتزال وإن كان الثاني فهو الجبر المحض والسؤالات المذكورة واردة على هذا القول فكيف يعقل حصول الواسطة . قال أهل السنة والجماعة : أما الإشكالات التي ألزمتموها علينا ؛ فهي بأسرها واردة عليكم من وجهين : الأول : أن قدرة العبد إما أن تكون معينة لأحد الطرفين أو كانت صالحة للطرفين معا فإن كان الأول فالجبر لازم وإن كان الثاني فرجحان أحد الطرفين على الآخر إما أن يتوقف على المرجح أو لا يتوقف فإن كان الأول ؛ ففاعل ذلك المرجح إن كان هو العبد عاد التقسيم الأول فيه وإن كان هو الله تعالى فعندما يفعل ذلك المرجح يصير الفعل واجب الوقوع وعندما لا يفعله يصير الفعل ممتنع الوقوع وحينئذ يلزمكم كل ما ذكرتموه وأما الثاني : وهو أن يقال : إن رجحان أحد الطرفين على الآخر لا يتوقف على مرجح ؛ فهذا باطل ؛ لوجهين : الأول : أنه لو جاز ذلك لبطل الاستدلال بترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر على وجود المرجح والثاني : أن على هذا التقدير يكون ذلك الرجحان واقعا على سبيل الاتفاق ولا يكون صادرا عن العبد وإذا كان الأمر كذلك ؛ فقد عاد الجبر المحض فثبت بهذا البيان أن كل ما أوردتموه علينا ؛ فهو وارد عليكم . الوجه الثاني : في السؤال : أنكم سلمتم كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ووقوع الشيء على خلاف علمه يقتضي انقلاب علمه جهلا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فكان كل ما أوردتموه علينا في القضاء والقدر لازما عليكم في العلم لزوما لا جواب عنه . ثم قال أهل السنة والجماعة : قوله : {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} يبطل القول بالقدر من وجوه : الأول : أن المطلوب من قولك : {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} إما أن يكون هو أن يمنع الله الشيطان من عمل الوسوسة منعا بالنهي والتحذير أو على سبيل القهر والجبر أما الأول فقد فعله ولما فعله كان طلبه من الله محالا ؛ لأن تحصيل الحاصل محال وأما الثاني فهو غير جائز ؛ لأن الإلجاء ينافي كون الشياطين مكلفين وقد ثبت كونهم مكلفين أجابت المعتزلة عنه فقالوا : المطلوب بالاستعاذة فعل الألطاف التي تدعو المكلف إلى فعل الحسن وترك القبيح لا يقال : فتلك الألطاف فعل الله بأسرها فما الفائدة في الطلب ؛ لأنا نقول : إن من الألطاف ما لا يحسن فعله إلا عند هذا الدعاء فلو لم يتقدم هذا الدعاء لم يحسن فعله أجاب أهل السنة عن هذا السؤال : بأن فعل تلك الألطاف إما أن يكون له أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك أو لا أثر فيه فإن كان الأول فعند حصول الترجيح يصير الفعل واجب الوقوع والدليل عليه أن عند حصول رجحان جانب الوجود لو حصل العدم فحينئذ يلزم أن يحصل عند رجحان جانب الوجود رجحان جانب العدم وهو جمع بين النقيضين وهو محال فثبت أن عند حصول الرجحان يحصل الوجوب وذلك يبطل القول بالاعتزال وأما إن لم يحصل بحسب فعل تلك الألطاف رجحان طرف الوجود لم يكن لفعلها البتة أثر فيكون فعلها عبثا محضا وذلك في حق الله تعالى محال . الوجه الثاني : أن يقال : إن الله تعالى إما أن يكون مريدا لصلاح حال العبد أو لا يكون فإن كان الحق هو الأول فالشيطان إما أن يتوقع منه إفساد العبد أو لا يتوقع فإن توقع منه إفساد العبد مع أن الله تعالى مريد إصلاح حال العبد فلم خلقه ولم سلطه على العبد ؟ وأما إن كان لا يتوقع من الشيطان إفساد العبد فأي حاجة للعبد إلى الاستعاذة منه ؟ وأما إذا قيل : إن الله تعالى لا يريد ما هو صلاح حال العبد فالاستعاذة بالله كيف تفيد الاعتصام من شر الشيطان . الوجه الثالث : أن الشيطان إما أن يكون مجبورا على فعل الشر أو يكون قادرا على فعل الشر والخير معا فإن كان الأول فقد أجبره الله على الشر وذلك يقدح في قولهم : إنه تعالى لا يريد إلا الصلاح والخير وإن كان الثاني - وهو أنه قادر على فعل الشر والخير - ؛ فهنا يمتنع أن يترجح فعل الخير على فعل الشر إلا بمرجح وذلك المرجح يكون من الله تعالى وإذا كان كذلك فأي فائدة في الاستعاذة ؟ الوجه الرابع : هب أن البشر إنما وقعوا في المعاصي بسبب وسوسة الشيطان فالشيطان كيف وقع في المعاصي ؟ فإن قلنا إنه وقع فيها بوسوسة شيطان آخر لزم التسلسل وإن قلنا : وقع الشيطان في المعاصي لا لأجل شيطان آخر فلم لا يجوز مثله في البشر ؟ وعلى هذا التقدير ؛ فلا فائدة في الاستعاذة من الشيطان وإن قلنا : إنه تعالى سلط الشيطان على البشر ولم يسلط على الشيطان شيطانا آخر ؛ فهذا حيف على البشر وتخصيص له بمزيد الثقل والإضرار وذلك ينافي كون الإله ريحما ناصرا لعباده . الوجه الخامس : أن الفعل المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع ؛ فهو واجب الوقوع فلا فائدة في الاستعاذة منه وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع ؛ فلا فائدة في الاستعاذة منه . واعلم أن هذه المناظرة تدل على أنه لا حقيقة لقوله : {أعوذ بالله} إلا أن ينكشف للعبد أن الكل من الله وبالله وحاصل الكلام فيه ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم : أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . الركن الثاني : المستعاذ به : واعلم أن هذا ورد في القرآن والأخبار على وجهين : أحدهما أن يقال : {أعوذ بالله} والثاني أن يقال أعوذ بكلمات الله أما قوله أعوذ بالله فبيانه إنما يتم بالبحث عن لفظة الله وسيأتي ذلك في تفسير بسم الله وأما قوله : أعوذ بكلمات الله التامات ؛ فاعلم أن المراد بكلمات الله هو قوله تعالى : {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [ النحل : 40 ] والمراد من قوله : {كن} نفاذ قدرته في الممكنات وسريان مشيئته في الكائنات بحيث يمتنع أن يعرض له عائق ومانع ولا شك أنه لا تحسن الاستعاذة بالله إلا لكونه موصوفا بتلك القدرة القاهرة والمشيئة النافذة وأيضا فالجسمانيات لا يكون حدوثها إلا على سبيل الحركة والخروج من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا وأما الروحانيات ؛ فإنما يحصل تكونها الآن الذي لا ينقسم فلهذه المشابهة سميت نفاذ قدرته بالكلمة وأيضا ثبت في علم المعقولات أن عالم الأرواح مستول على عالم الأجسام وإنما هي المدبرات لأمور هذا العالم كما قال تعالى : {فالمدبرات أمرا} [ النازعات : 5 ] فقوله : # أعوذ بكلمات الله التامات استعاذة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية المقدسة الطاهرة الطيبة في دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة فالمراد بكلمات الله التامات تلك الأرواح العالية الطاهرة . ثم ههنا دقيقة وهي أن قوله : # أعوذ بكلمات الله التامات إنما يحسن ذكره إذا كان قد بقي في نظره التفات إلى غير الله وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد وتوغل في قعر الحقائق وصار بحيث لا يرى في الوجود أحدا إلا الله تعالى ؛ لم يستعذ إلا بالله ولم يلتجئ إلا إلى الله ولم يعول إلا على الله فلا جرم يقول : أعوذ بالله و أعوذ من الله بالله كما قال عليه السلام # وأعوذ بك منك واعلم أن في هذا المقام يكون العبد مشتغلا أيضا بغير الله لأن الاستعاذة لا بد وأن تكون لطلب أو لهرب وذلك اشتغال بغير الله تعالى فإذا ترقى العبد عن هذا المقام وفني عن نفسه وفني أيضا عن فنائه عن نفسه فههنا يترقى عن مقام قوله أعوذ بالله ويصير مستغرقا في نور قوله {بسم الله} ألا ترى أنه عليه السلام لما قال # وأعوذ بك منك ترقى عن هذا المقام فقال # أنت كما أثنيت على نفسك . الركن الثالث من أركان هذا الباب : المستعيذ : واعلم أن قوله {أعوذ بالله} أمر منه لعباده أن يقولوا ذلك وهذا غير مختص بشخص معين فهو أمر على سبيل العموم ؛ لأنه تعالى حكى ذلك عن الأنبياء والأولياء وذلك يدل على أن كل مخلوق يجب أن يكون مستعيذا بالله فالأول : أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال : {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} [ هود : 47 ] فعند هذا أعطاه الله خلعتين : السلام والبركات وهو قوله تعالى : {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك} [ هود : 48 ] والثاني : حكى عن يوسف عليه السلام أن المرأة لما راودته قال {معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي} [ يوسف : 23 ] فأعطاه الله تعالى خلعتين صرف السوء والفحشاء حيث قال : {لنصرف عنه السوء والفحشاء} [ يوسف : 24 ] والثالث : {فخذ أحدنا مكانه} [ يوسف : 78 ] فقال : {معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} [ يوسف : 79 ] فأكرمه الله تعالى بقوله : {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا} [ يوسف : 100 ] الرابع : حكى الله عن موسى عليه السلام أنه لما أمر قومه بذبح البقرة قال قومه : {أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [ البقرة : 67 ] فأعطاه الله خلعتين إزالة التهمة وإحياء القتيل فقال : {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته} [ البقرة : 73 ] الخامس : أن القوم لما خوفوه بالقتل قال : {وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون} [ الدخان : 20 ] وقال في آية أخرى : {إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} [ غافر : 27 ] فأعطاه الله تعالى مراده فأفنى عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم والسادس : أن أم مريم قالت : {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} [ آل عمران : 36 ] فوجدت الخلعة والقبول وهو قوله {فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا} [ آل عمران : 37 ] والسابع : أن مريم عليها السلام لما رأت جبريل في صورة بشر يقصدها في الخلوة {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} [ مريم : 18 ] فوجدت نعمتين ولدا من غير أب وتنزيه الله إياها بلسان ذلك الولد عن السوء وهو قوله : {إني عبد الله} [ مريم : 30 ] الثامن : أن الله تعالى أمر محمدا عليه الصلاة والسلام بالاستعاذة مرة بعد أخرى فقال : {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون} [ المؤمنون : 97 ] وقال : {قل أعوذ برب الفلق} [ الفلق : 1 ] و {قل أعوذ برب الناس} [ الناس : 1 ] والتاسع : قال في سورة الأعراف : {خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} [ الأعراف : 199 ] وقال في حم السجدة {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [ فصلت : 34 ] إلى أن قال {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [ فصلت : 36 ] فهذه الآيات دالة على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا أبدا في الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن . وأما الأخبار فكثيرة : الخبر الأول : عن معاذ بن جبل قال : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم وأغرقا فيه : فقال عليه السلام # : إني لأعلم كلمة لو قالاها لذهب عنهما ذلك وهي قوله {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} وأقول هذا المعنى مقرر في العقل من وجوه : الأول : أن الإنسان يعلم أن علمه بمصالح هذا العالم ومفاسده قليل جدا وأنه إنما يمكنه أن يعرف ذلك القليل بمدد العقل وعند الغضب يزول العقل فكل ما يفعله ويقوله لم يكن على القانون الجيد فإذا استحضر في عقله هذا صار هذا المعنى مانعا له عن الاقدام على تلك الأفعال وتلك الأقوال وحاملا له على أن يرجع إلى الله تعالى في تحصيل الخيرات ودفع الآفات فلا جرم يقول أعوذ بالله . الثاني : أن الإنسان غير عالم قطعا بأن الحق من جانبه ولا من جانب خصمه فإذا علم ذلك يقول : أفوض هذه الواقعة إلى الله تعالى فإذا كان الحق من جانبي فالله يستوفيه من خصمي وإن كان الحق من جانب خصمي فالأولى أن لا أظلمه وعند هذا يفوض تلك الحكومة إلى الله ويقول أعوذ بالله . الثالث : أن الإنسان إنما يغضب إذا أحس من نفسه بفرط قوة وشدة بواسطتها يقوى على قهر الخصم فإذا استحضر في عقله أن إله العالم أقوى وأقدر مني ثم إني عصيته مرات وكرات وأنه بفضله تجاوز عني فالأولى لي أن أتجاوز عن هذا المغضوب عليه فإذا أحضر في عقله هذا المعنى ترك الخصومة والمنازعة وقال أعوذ بالله وكل هذه المعاني مستنبطة من قوله تعالى : {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [ الأعراف : 201 ] والمعنى أنه إذا تذكر هذه الأسرار والمعاني أبصر طريق الرشد فترك النزاع والدفاع ورضي بقضاء الله تعالى . والخبر الثاني ، # روى معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ؛ وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة . قلت : وتقريره من جانب العقل أن قوله : {أعوذ بالله} مشاهدة لكمال عجز النفس وغاية قصورها والآيات الثلاث من آخر سورة الحشر مشاهدة لكمال الله وجلاله وعظمته وكمال الحال في مقام العبودية لا يحصل إلا بهذين المقامين . الخبر الثالث ، # روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من استعاذ في اليوم عشر مرات وكل الله تعالى به ملكا يذود عنه الشيطان . قلت : والسبب فيه أنه لما قال {أعوذ بالله} وعرف معناه عرف منه نقصان قدرته ونقصان علمه وإذا عرف ذلك من نفسه لم يلتفت إلى ما تأمره به النفس ولم يقدم على الأعمال التي تدعوه نفسه إليها والشيطان الأكبر هو النفس فثبت أن قراءة هذه الكلمة تذود الشيطان عن الإنسان . والخبر الرابع ، عن خولة بنت حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : # من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من ذلك المنزل . قلت : والسبب فيه أنه ثبت في العلوم العقلية أن كثرة الأشخاص الروحانية فوق كثرة الأشخاص الجسمانية وأن السموات مملوءة من الأرواح الطاهرة كما قال عليه الصلاة والسلام # أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو قاعد وكذلك الأثير والهواء مملوءة من الأرواح وبعضها طاهرة مشرقة خيرة وبعضها كدرة مؤذية شريرة فإذا قال الرجل # أعوذ بكلمات الله التامات فقد استعاذ بتلك الأرواح الطاهرة من شر تلك الأرواح الخبيثة وأيضا كلمات الله هي قوله كن وهي عبارة عن القدرة النافذة ومن استعاذ بقدرة الله لم يضره شيء . والخبر الخامس ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : # إذا فزع أحدكم من النوم فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه عقابه وشر عباده ومن شر همزات الشياطين وأن يحضرون فإنها لا تضر وكان عبد الله بن عمر يعلمها من بلغ من عبيده ومن لم يبلغ كتبها في صك ثم علقها في عنقه . والخبر السادس ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : # أنه كان يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما ويقول : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ويقول : # كان أبي إبراهيم عليه السلام يعوذ بها اسمعيل وإسحق عليهما السلام . الخبر السابع ، أنه عليه الصلاة والسلام كان يعظم أمر الاستعاذة حتى أنه لما تزوج امرأة ودخل بها فقالت أعوذ بالله منك فقال عليه الصلاة والسلام : # عذت بمعاذ فالحقي بأهلك . واعلم أن الرجل المستبصر بنور الله لا التفات له إلى القائل وإنما التفاته إلى القول فلما ذكرت تلك المرأة كلمة أعوذ بالله بقي قلب الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم مشتغلا بتلك الكلمة ولم يلتفت إلى أنها قالت تلك الكلمة عن قصد أم لا . والخبر الثامن ، # روى الحسن قال : بينما رجل يضرب مملوكا له فجعل المملوك يقول {أعوذ بالله} إذ جاء نبي الله فقال : أعوذ برسول الله فأمسك عنه فقال عليه السلام : عائذ الله أحق أن يمسك عنك فقال : فإني أشهدك يا رسول الله أنه حر لوجه الله فقال عليه الصلاة والسلام : أما والذي نفسي بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار . والخبر التاسع ، # قال سويد : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول على المنبر : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم # وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فلا أحب أن أترك ذلك ما بقيت . والخبر العاشر ، # قوله عليه الصلاة والسلام أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك . الركن الرابع من أركان هذا الباب : الكلام في المستعاذ منه وهو الشيطان والمقصود من الاستعاذة دفع شر الشيطان واعلم أن شر الشيطان إما أن يكون بالوسوسة أو بغيرها كما ذكره في قول الله تعالى : {كما يقول الذي يتخبطه الشيطان من المس} [ البقرة : 275 ] وفي هذا الباب مسائل غامضة دقيقة من العقليات ومن علوم المكاشفات . المسألة الأولى ، اختلف الثاني في وجود الجن والشياطين فمن الناس من أنكر الجن والشياطين واعلم أنه لا بد أولا من البحث عن ماهية الجن والشياطين فنقول : أطبق الكل على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيء وتذهب مثل الناس والبهائم بل القول المحصل فيه قولان : الأول أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ولها عقول وأفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة والقول الثاني : أن كثيرا من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية ثم هذه الموجودات قد تكون عالية مقدسة عن تدبير الأجسام بالكلية وهي الملائكة المقربون كما قال الله تعالى : {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون} [ الأنبياء : 19 ] ويليها مرتبة الأرواح المتعلقة بتدبير الأجسام وأشرفها حملة العرش كما قال تعالى : {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} [ الحاقة : 17 ] والمرتبة الثانية الحافون حول العرش كما قال تعالى : {وترى الملائكة حافين من حول العرش} [ الزمر : 75 ] والمرتبة الثالثة ملائكة الكرسي والمرتبة الرابعة ملائكة السموات طبقة طبقة والمرتبة الخامسة ملائكة كرة الأثير والمرتبة السادسة ملائكة كرة الهواء الذي هو في طبع النسيم والمرتبة السابعة ملائكة كرة الزمهرير والمرتبة الثامنة مرتبة الأرواح المتعلقة بالبحار والمرتبة التاسعة مرتبة الأرواح المتعلقة بالجبال والمرتبة العاشرة مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية والحيوانية الموجودة في هذا العالم . واعلم أنه على كلا القولين فهذه الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة وهي المسماة بالصالحين من الجن وقد تكون كدرة سفلية شريرة شقية وهي المسماة بالشياطين . واحتج المنكرون لوجود الجن والشياطين بوجوه : الحجة الأولى : أن الشيطان لو كان موجودا لكان إما أن يكون جسما كثيفا أو لطيفا والقسمان باطلان فيبطل القول بوجوده وإنما قلنا أنه يمتنع أن يكون جسما كثيفا لأنه لو كان كذلك لوجب أن يراه كل من كان سليم الحس إذ لو جاز أن يكون بحضرتنا أجسام كثيفة ونحن لا نراها لجاز أن يكون بحضرتنا جبال عالية وشموس مضيئة ورعود وبروق مع أنا لا نشاهد شيئا منها ومن جوز ذلك كان خارجا عن العقل وإنما قلنا إنه لا يجوز كونها أجساما لطيفة وذلك لأنه لو كان كذلك لوجب أن تتمزق أو تتفرق عند هبوب الرياح العاصفة القوية وأيضا يلزم أن لا يكون لها قوة وقدرة على الأعمال الشاقة ومثبتو الجن ينسبون إليها الأعمال الشاقة ولما بطل القسمان ثبت فساد القول بالجن . الحجة الثانية : أن هذه الأشخاص المسماة بالجن إذا كانوا حاضرين في هذا العالم مخالطين للبشر فالظاهر الغالب أن يصل لهم بسبب طول المخالطة والمصاحبة إما صداقة وإما عداوة فإن حصلت الصداقة وجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة وإن حصلت العداوة وجب ظهور المضار بسبب تلك العداوة إلا أنا لا نرى أثرا لا من تلك الصداقة ولا من تلك العداوة وهؤلاء الذين يمارسون صنعة التعزيم إذا تابوا من الأكاذيب يعترفون بأنهم قط ما شاهدوا أثرا من هذا الجن وذلك مما يغلب على الظن عدم هذه الأشياء وسمعت واحدا ممن تاب على تلك الصنعة قال إني واظبت على العزيمة الفلانية كذا من الأيام وما تركت دقيقة من الدقائق إلا أتيت بها ثم إني ما شاهدت من تلك الأحوال المذكورة أثرا ولا خبرا . الحجة الثالثة : أن الطريق إلى معرفة الأشياء إما الحس وإما الخبر وإما الدليل : أما الحس فلم يدل على وجود هذه الأشياء ؛ لأن وجودها إما بالصورة أو الصوت فإذا كنا لا نرى صورة ولا سمعنا صوتا فكيف يمكننا أن ندعي الإحساس بها والذين يقولون إنا أبصرناها أو سمعنا أصواتها فهم طائفتان : المجانين الذين يتخيلون أشياء بسبب خلل أمزجتهم فيظنون أنهم رأوا والكذابون المخرفون وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة إخبار الأنبياء والرسل فباطل لأن هذه الأشياء لو ثبتت لبطلت نبوة الأنبياء فإن على تقدير ثبوتها يجوز أن يقال إن كل ما تأتي به الأنبياء من المعجزات إنما حصل بإعانة الجن والشياطين وكل فرع أدى إلى إبطال الأصل كان باطلا مثاله إذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الإنسان فلم لا يجوز أن يقال : إن حنين الجذع إنما كان لأجل أن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين ولم لا يجوز أن يقال إن الناقة إنما تكلمت مع الرسول عليه السلام لأن الشيطان دخل في بطنها وتكلم ولم لا يجوز أن يقال إن الشجرة إنما انقلعت من أصلها لأن الشيطان اقتلعها فثبت أن القول بإثبات الجن والشياطين يوجب القول ببطلان نبوة الأنبياء عليهم السلام وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة الدليل والنظر فهو متعذر لأنا لا نعرف دليلا عقليا يدل على وجود الجن والشياطين فثبت أنه لا سبيل لنا إلى العلم بوجود هذه الأشياء فوجب أن يكون القول بوجود هذه لأشياء باطلا فهذه جملة شبه منكري الجن والشياطين . والجواب عن الأولى : بأنا نقول : إن الشبهة التي ذكرتم تدل على أنه يمتنع كون الجن جسما فلم لا يجوز أن يقال أنه جوهر مجرد عن الجسمية . واعلم أن القائلين بهذا القول فرق : الأولى الذين قالوا : النفوس الناطقة البشرية المفارقة للأبدان قد تكون خيرة وقد تكون شريرة فإن كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية وإن كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن تلك النفوس المفارقة وتعلق بذلك البدن نفس شديدة المشابهة لتلك النفس المفارقة فحينئذ يحدث لتلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على الأعمال اللائقة بها فإن كان النفسان من النفوس الطاهرة المشرفة الخيرة كانت تلك المعاونة والمعاضدة إلهاما وإن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة كانت تلك المعاونة والمناصرة وسوسة فهذا هو الكلام في الإلهام والوسوسة على قول هؤلاء . الفريق الثاني : الذين قالوا : الجن والشياطين جواهر مجردة عن الجسمية وعلائقها وجنسها مخالف لجنس النفوس الناطقة البشرية ثم إن ذلك الجنس يندرج فيه أنواع أيضا فإن كانت طاهرة نورانية فهي الملائكة الأرضية وهم المسمون بصالحي الجن وإن كانت خبيثة شريرة فهي الشياطين المؤذية إذا عرفت هذا فنقول : الجنسية علة الضم فالنفوس البشرية الطاهرة النورانية تنضم إليها تلك الأرواح الطاهرة النورانية وتعينها على أعمالها التي هي من أبواب الخير والبر والتقوى والنفوس البشرية الخبيثة الكدرة تنضم إليها تلك الأرواح الخبيثة الشريرة وتعينها على أعمالها التي هي من باب الشر والإثم والعدوان . الفريق الثالث : وهم الذين ينكرون وجود الأرواح السفلية ولكنهم أثبتوا وجود الأرواح المجردة الفلكية وزعموا أن تلك الأرواح أرواح عالية قاهرة قوية وهي مختلفة بجواهرها وماهياتها فكما أن لكل روح من الأرواح البشرية بدنا معينا فكذلك لكل روح من الأرواح الفلكية بدن معين وهو ذلك الفلك المعين وكما أن الروح البشرية تتعلق أولا بالقلب ثم بواسطته يتعدى أثر ذلك الروح إلى كل البدن فكذلك الروح الفلكي يتعلق أولا بالكواكب ثم بواسطة ذلك التعلق يتعدى أثر ذلك الروح إلى كلية ذلك الفلك وإلى كلية العالم وكما أنه يتولد في القلب والدماغ أرواح لطيفة وتلك الأرواح تتأدى في الشرايين والأعصاب إلى أجزاء البدن ويصل بهذا الطريق قوة الحياة والحس والحركة إلى كل جزء من أجزاء الأعضاء فكذلك ينبعث من جرم الكواكب خطوط شعاعية تتصل بجوانب العالم وتتادى قوة تلك الكواكب بواسطة تلك الخطوط الشعاعية إلى أجزاء هذا العالم وكما أن بواسطة الأرواح الفائضة من القلب والدماغ إلى أجزاء البدن يحصل في كل جزء من اجزاء ذلك البدن قوى مختلفة وهي الغاذية والنامية والمولدة والحساسة - فتكون هذه القوى كالنتائج والأولاد لجوهر النفس المدبرة لكلية البدن فكذلك بواسطة الخطوط الشعاعية المنبثة من الكواكب الواصلة إلى أجزاء هذا العالم تحدث في تلك الأجزاء نفوس مخصوصة مثل نفس زيد ونفس عمرو وهذا النفوس كالأولاد لتلك النفوس الفلكية ولما كانت النفوس الفلكية مختلفة في جواهرها وماهياتها فكذلك النفوس المتولدة من نفس فلك زحل مثلا طائفة والنفوس المتولدة من نفس فلك المشتري طائفة أخرى فتكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل متجانسة متشاركة ويحصل بينها محبة ومودة وتكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل مخالفة بالطبع والماهية للنفوس المنتسبة إلى روح المشتري وإذا عرفت هذا فنقول : قالوا : إن العلة تكون أقوى من المعلول فلكل طائفة من النفوس البشرية طبيعة خاصة وهي تكون معلولة لروح من تلك الأرواح الفلكية وتلك الطبيعة تكون في الروح الفلكي أقوى وأعلى بكثير منها في هذه الأرواح البشرية وتلك الأرواح الفلكية بالنسبة إلى تلك الطائفة من الأرواح البشرية كالأب المشفق والسلطان الرحيم فلهذا السبب تلك الأرواح الفلكية تعين أولادها على مصالحها وتهديها تارة في النوم على سبيل الرؤيا وأخرى في اليقظة على سبيل الإلهام ثم إذا اتفق لبعض هذه النفوس البشرية قوة قوية من جنس تلك الخاصية وقوي اتصاله بالروح الفلكي الذي هو أصله ومعدنه ظهرت عليه أفعال عجيبة وأعمال خارقة للعادات فهذا تفصيل مذاهب من يثبت الجن والشياطين ويزعم أنها موجودات ليست أجساما ولا جسمانية . واعلم أن قوما من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب وزعموا أن المجرد يمتنع عليه إدراك الجزئيات والمجردات يمتنع كونها فاعلة للأفعال الجزئية . واعلم أن هذا باطل لوجهين : الأول : أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين بأنه إنسان وليس بفرس والقاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما فههنا شيء واحد هو مدرك للكلي وهو النفس فيلزم أن يكون المدرك للجزئي هو النفس . الثاني : هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية فلم لا يجوز أن يقال : إن تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن والشياطين لها آلات جسمانية من كرة الأثير أو من كرة الزمهرير ثم إنها بواسطة تلك الآلات الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات وعلى التصرف في هذه الأبدان فهذا تمام الكلام في شرح هذا المذاهب . وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو نارية فقالوا : الأجسام متساوية في الحجمية والمقدار وهذان المعنيان أعراض فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض والأشياء المختلفة بالماهية لا يمتنع اشتراكها في بعض اللوازم فلم لا يجوز أن يقال : الأجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة وإن كانت مشتركة في قبول الحجمية والمقدار ؟ وإذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يقال : أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة على الأعمال الشاقة لذواتها وهي غير قابلة للتفرق والتمزق ؟ وإذا كان الأمر كذلك فتلك الأجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة ثم إن الرياح العاصفة لا تمزقها والأجسام الكثيفة لا تفرقها أليس أن الفلاسفة قالوا : إن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر ؟ فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها وإنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعلوم فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة والدليل لم يقم على إبطالها فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها . وأما الجواب عن الشبهة الثانية : أنه لا يجب حصول تلك الصداقة والعداوة مع كل واحد وكل واحد لا يعرف إلا حال نفسه أما حال غيره فإنه لا يعلمها فبقي هذا الأمر في حيز الاحتمال . وأما الجواب عن الشبهة الثالثة فهو أنا نقول : لا نسلم أن القول بوجود الجن والملائكة يوجب الطعن في نبوة الأنبياء عليهم السلام وسيظهر الجواب عن الأجوبة التي ذكرتموها فيما بعد ذلك فهذا آخر الكلام في الجواب عن الشبهات . المسألة الثانية ، اعلم أن القرآن والإخبار يدلان على وجود الجن والشياطين أما القرآن فآيات : الآية الأولى قوله تعالى : {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} [ الأحقاف : 29 ] وهذا نص على وجودهم وعلى أنهم سمعوا القرآن وعلى أنهم أنذروا قومهم والآية الثانية قوله تعالى : {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [ البقرة : 102 ] والآية الثالثة قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام : {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا} [ سبأ : 13 ] وقال تعالى : {والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد} [ ص : ] وقال تعالى : {ولسليمان الريح} إلى قوله تعالى : {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} [ سبأ : 12 ] والآية الرابعة قوله تعالى : {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض} [ الرحمن : 33 ] والآية الخامسة قوله تعالى : {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد} [ الصافات : 6 ] وأما الأخبار فكثيرة ، الخبر الأول ، # روى مالك في الموطأ عن صيفي بن أفلح عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري قال : فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته قال : فسمعت تحريكا تحت سريره في بيته فإذا هي حية فقمت لأقتلها فأشار أبو سعيد أن اجلس فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار فقال : ترى هذا البيت ؟ فقلت : نعم فقال إنه كان فيه فتى حديث عهد بعرس وساق الحديث إلى أن قال : فرأى امرأته واقفة بين الناس فأدركته غيرة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها بسبب الغيرة فقالت : لا تعجل حتى تدخل وتنظر ما في بيتك فدخل فإذا هو بحية مطوقة على فراشه فركز فيها رمحه فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى ميتا فما ندري أيهما كان أسرع موتا الفتى أم الحية فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : # إن بالمدينة جنا قد أسلموا فمن بدا لكم منهم فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان . الخبر الثاني ، # روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد : قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رآه فقال جبريل عليه السلام : ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه قل : أعوذ بوجه الله الكريم وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما نزل إلى الأرض وشر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن . والخبر الثالث ، # روى مالك أيضا في الموطأ أن كعب الأحبار كان يقول : أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسمائه كلها ما قد علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ . والخبر الرابع : # روى أيضا مالك أن خالد بن الوليد قال : يا رسول الله إني أروع في منامي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل : أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وان يحضرون . والخبر الخامس ، ما اشتهر وبلغ مبلغ التواتر من خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وقراءته عليهم ودعوته إياهم إلى الإسلام . والخبر السادس ، # روى القاضي أبو بكر في الهداية أن عيسى ابن مريم عليهما السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بني آدم فأراه ذلك فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على قلبه فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه . والخبر السابع ، قوله عليه السلام # : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم وقال # ما منكم أحد إلا وله شيطان قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال # : ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم والأحاديث في ذلك كثيرة والقدر الذي ذكرناه كاف . المسألة الثالثة ، في بيان أن الجن مخلوق من النار : والدليل عليه قوله تعالى : {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} [ الحجر : 27 ] وقال تعالى حاكيا عن إبليس لعنه الله أنه قال {خلقتني من نار وخلقته من طين} واعلم أن حصول الحياة في النار غير مستبعد ألا ترى أن الأطباء قالوا المتعلق الأول للنفس هو القلب والروح وهما في غاية السخونة وقال جالينوس : إني بقرت مرة بطن قرد فأدخلت يدي في بطنه وأدخلت أصبعي في قلبه فوجدته في غاية السخونة بل تزيد ونقول : أطبق الأطباء على أن الحياة لا تحصل إلا بسبب الحرارة الغريزية وقال بعضهم : الأغلب على الظن أن كرة النار تكون مملوءة من الروحانيات . المسالة الرابعة ، ذكروا قولين في أنهم لما سموا بالجن الأول : أن لفظ الجن مأخوذ من الاستتار ومنه الجنة لاستتار أرضها بالأشجار ومنه الجنة لكونها ساترة للإنسان ومنه الجن لاستتارهم عن العيون ومنه المجنون لاستتار عقله ومنه الجنين لاستتاره في البطن ومنه قوله تعالى : {اتخذوا أيمانهم جنة} [ المنافقون : 2 ] أي وقاية وسترا واعلم أن على هذا القول يلزم أن تكون الملائكة من الجن لاستتارهم عن العيون إلا أن يقال : إن هذا من باب تقييد المطلق بسبب العرف . والقول الثاني : أنهم سموا بهذا الاسم لأنهم كانوا في أول أمرهم خزان الجنة والقول الأول أقوى . المسألة الخامسة ، اعلم أن طوائف المكلفين أربعة : الملائكة والإنس والجن والشياطين واختلفوا في الجن والشياطين فقيل : الشياطين جنس والجن جنس آخر كما أن الإنسان جنس والفرس جنس آخر وقيل : الجن منهم أخيار ومنهم أشرار والشياطين اسم لأشرار الجن . المسألة السادسة ، المشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر وأنكر أكثر المعتزلة ذلك أما المثبتون فقد احتجوا بوجوه : الأول : أنه إن كان الجن عبارة عن موجود ليس بجسم ولا جسماني فحينئذ يكون معنى كونه قادرا على النفوذ في باطنه أنه يقدر على التصرف في باطنه وذلك غير مستبعد وإن كان عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه كان نفاذه في باطن بني آدم أيضا غير ممتنع قياسا على النفس وغيره . الثاني : قوله تعالى : {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [ البقرة : 275 ] . الثالث : قوله عليه السلام # إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم . أما المنكرون فقد احتجوا بأمور : الأول : قوله تعالى حكاية عن إبليس : {لعنه الله وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} [ إبراهيم : 22 ] صرح بأنه ما كان له على البشر سلطان إلا من الوجه الواحد وهو إلقاء الوسوسة والدعوة إلى الباطل . الثاني : لا شك أن الأنبياء والعلماء المحققين يدعون الناس إلى لعن الشيطان والبراءة منه فوجب أن تكون العداوة بين الشياطين وبينهم أعظم أنواع العداوة فلو كانوا قادرين على النفوذ في بواطن البشر وعلى إيصال البلاء والشر إليهم لوجب أن يكون تضرر الأنبياء والعلماء منهم أشد من تضرر كل أحد ولما لم يكن كذلك علمنا أنه باطل . المسألة السابعة ، اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وأما الجن والشياطين فإنهم يأكلون ويشربون قال عليه السلام في الروث والعظم # إنه زاد إخوانكم من الجن وأيضا فإنهم يتوالدون قال تعالى : {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني} [ الكهف : 50 ] . المسألة الثامنة ، في كيفية الوسوسة بناء على ما ورد في الآثار : ذكروا أنه يغوص في باطن الإنسان ويضع رأسه على حبة قلبه ويلقي إليه الوسوسة واحتجوا عليه بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : # إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ألا فضيقوا مجاريه بالجوع وقال عليه السلام # لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات . ومن الناس من قال : هذه الأخبار لا بد من تأويلها لأنه يمتنع حملها على ظواهرها واحتج عليه بوجوه : الأول : أن نفوذ الشياطين في بواطن الناس محال ؛ لأنه يلزم إما اتساع تلك المجاري أو تداخل تلك الأجسام . الثاني : ما ذكرنا أن العداوة الشديدة حاصلة بينه وبين أهل الدين فلو قدر على هذا النفوذ فلم لا يخصهم بمزيد الضرر ؟ الثالث : أن الشيطان مخلوق من النار فلو دخل في داخل البدن لصار كأنه نفذ النار في داخل البدن ومعلوم أنه لا يحس بذلك . الرابع : أن الشياطين يحبون المعاصي وأنواع الكفر والفسق ثم إنا نتضرع بأعظم الوجوه إليهم ليظهروا أنواع الفسق فلا نجد منه أثرا ولا فائدة وبالجملة فلا نرى لا من عداوتهم ضررا ولا من صداقتهم نفعا . وأجاب مثبتو الشياطين عن السؤال الأول بان على القول بأنها نفوس مجردة فالسؤال زائل وعلى القول بأنها أجسام لطيفة كالضوء والهواء فالسؤال أيضا زائل وعن الثاني لا يبعد أن يقال : إن الله وملائكته يمنعونهم عن إيذاء علماء البشر وعن الثالث أنه لما جاز أن يقول الله تعالى لنار إبراهيم : {يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} [ الأنبياء : 69 ] فلم لا يجوز مثله ههنا وعن الرابع أن الشياطين مختارون ولعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض . المسألة التاسعة ، في تحقيق الكلام في الوسوسة على الوجه الذي قرره الشيخ الغزالي في كتاب الإحياء قال : القلب مثل قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب أو مثل هدف ترمي إليه السهام من كل جانب أو مثل مرآة منصوبة تجتاز عليها الأشخاص فتتراءى فيها صورة بعد صورة أو مثل حوض تنصب إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة واعلم أن مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب ساعة فساعة إما من الظاهر كالحواس الخمس وإما من البواطن كالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة في مزاج الإنسان فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب وكذا إذا هاجت الشهوة أو الغضب حصل من تلك الأحوال آثار في القلب وأما إذا منع الإنسان عن الإدراكات الظاهرة فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من شيء إلى شيء وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال فالقلب دائما في التغير والتأثر من هذه الأسباب وأخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار والأذكار وأعني بها إدراكات وعلوما إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر ونما تسمي خواطر من حيث أنها تخطر بالخيال بعد أن كان القلب غافلا عنها فالخواطر هي المحركات للإرادات والإرادات محركة للأعضاء ثم هذه الخواطر المحركة لهذه الإرادات تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني إلى ما يضر في العاقبة - وإلى ما ينفع - أعني ما ينفع في العاقبة - فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما والمذموم يسمى وسواسا ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر أحوال حادثة فلا بد لها من سبب والتسلسل محال فلا بد من انتهاء الكل إلى واجب الوجود وهذا ملخص كلام الشيخ الغزالي بعد حذف التطويلات منه . المسألة العاشرة ، في تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي : اعلم أن هذا الرجل دار حول المقصود إلا أنه لا يحصل الغرض إلا من بعد مزيد التنقيح فنقول : لا بد قبل الخوض في المقصود من تقديم مقدمات . المقدمة الأولى ، لا شك أن ههنا مطلوبا ومهروبا . وكل مطلوب فإما أن يكون مطلوبا لذاته أو لغيره ولا يجوز أن يكون كل مطلوب مطلوبا لغيره . وأن يكون كل مهروب مهروبا عنه لغيره وإلا لزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان فثبت أنه لا بد من الاعتراف بوجود شيء يكون مطلوبا لذاته وبوجود شيء يكون مهروبا عنه لذاته . المقدمة الثانية ، إن الاستقراء دل على أن المطلوب بالذات هو اللذة والسرور والمطلوب بالتبع ما يكون وسيلة إليهما والمهروب عنه بالذات هو الألم والحزن والمهروب عنه بالتبع ما يكون وسيلة إليهما . المقدمة الثالثة ، إن اللذيذ عند كل قوة من القوى النفسانية شيء آخر فاللذيذ عند القوة الباصرة شيء واللذيذ عند القوة السامعة شيء آخر واللذيذ عند القوة الشهوانية شيء ثالث واللذيذ عند القوة الغضبية شيء رابع واللذيذ عند القوة العاقلة شيء خامس . المقدمة الرابعة ، القوة الباصرة إذا أدركت موجودا في الخارج لزم من حصول ذلك الإدراك البصري وقوف الذهن على ماهية ذلك المرئي وعند الوقوف عليه يحصل العلم بكونه لذيذا أو مؤلما خاليا عنهما فإن حصل العلم بكونه لذيذا ترتب على حصول هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى تحصيله وإن حصل العلم بكونه مؤلما ترتب على هذا العلم والاعتقاد حصول الميل إلى البعد عنه والفرار منه فإن لم يحصل العلم بكونه مؤلما ولا بكونه لذيذا لم يحصل في القلب لا رغبة إلى الفرار عنه ولا رغبة إلى تحصيله . المقدمة الخامسة ، إن العلم بكونه لذيذا إنما يوجب حصول الميل والرغبة في تحصيله إذا حصل ذلك العلم خاليا عن المعارض والمعاوق فأما إذا حصل هذا المعارض لم يحصل ذلك الاقتضاء مثاله إذا رأينا طعاما لذيذا فعلمنا بكونه لذيذا إنما يؤثر في الإقدام على تناوله إذا لم نعتقد أنه حصل فيه ضرر زائد أما إذا اعتقدنا أنه حصل فيه ضرر زائد فعند هذا يعتبر العقل كيفية المعارضة والترجيح فأيهما غلب على ظنه أنه أرجح عمل بمقتضى ذلك الرجحان ومثال آخر لهذا المعنى : أن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يلقي نفسه من السطح العالي إلا أنه إنما يقدم على هذا العمل إذا اعتقد أنه بسبب تحمل ذلك العمل المؤلم يتخلص عن مؤلم أعظم منه أو يتوصل به إلى تحصيل منفعة أعلى حالا منها فثبت بما ذكرنا أن اعتقاد كونه لذيذا أو مؤلما إنما يوجب الرغبة والنفرة إذا خلا ذلك الاعتقاد عن المعارض . المقدمة السادسة ، في بيان أن التقرير الذي بيناه على أن الأفعال الحيوانية لها مراتب مرتبة ترتيبا ذاتيا لزوميا عقليا وذلك لأن هذه الأفعال مصدرها القريب هو القوى الموجودة في العضلات إلا أن هذه القوى صالحة للفعل وللترك فامتنع صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك % وللترك بدلا عن الفعل إلا بضميمة تنضم إليها وهي الإرادات ثم إن تلك الإرادات إنما توجد وتحدث لأجل العلم بكونها لذيذة أو مؤلمة ثم إن تلك العلوم إن حصلت بفعل الإنسان عاد البحث الأول فيه ولزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان وإما الانتهاء إلى علوم وإدراكات وتصورات تحصل في جوهر النفس من الأسباب الخارجة وهي إما الاتصالات الفلكية على مذهب قوم أو السبب الحقيقي وهو أن الله تعالى يخلق تلك الاعتقادات أو العلوم في القلب فهذا تلخيص الكلام في أن الفعل كيف يصدر عن الحيوان . إذا عرفت هذا فاعلم أن نفاة الشيطان ونفاة الوسوسة قالوا : ثبت أن المصدر القريب للأفعال الحيوانية هو هذه القوى المذكورة في العضلات والأوتار فثبت أن تلك القوى لا تصير مصادر للفعل والترك إلا عند انضمام الميل والإرادة إليها وثبت أن تلك الإرادة من لوازم حصول الشعور بكون ذلك الشيء لذيذا أو مؤلما وثبت أن حصول ذلك الشعور لا بد وأن يكون بخلق الله تعالى ابتداء أو بواسطة مراتب شأن كل واحد منها في استلزام ما بعده على الوجه الذي قررناه وثبت أن ترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبل أمر لازم لزوما ذاتيا واجبا فإنه إذا أحس بالشيء وعرف كونه ملائما مال طبعه إليه وإذا مال طبعه إليه تحركت القوة إلى الطلب فإذا حصلت هذه المراتب حصل الفعل لا محالة فلو قدرنا شيطانا من الخارج وفرضنا أنه حصلت له وسوسة كانت تلك الوسوسة عديمة الأثر ؛ لأنه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل وإن لم يحصل مجموع تلك المراتب امتنع حصول الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل فعلمنا أن القول بوجود الشيطان وبوجود الوسوسة قول باطل بل الحق أن نقول : إن اتفق حصول هذه المراتب في الطرف النافع سميناها بالإلهام وإن اتفق حصولها في الطرف الضار سميناها بالوسوسة هذا تمام الكلام في تقرير الإشكال . والجواب : أن كل ما ذكرتموه حق وصدق إلا أنه لا يبعد أن يكون الإنسان غافلا عن الشيء فإذا ذكره الشيطان ذلك الشيء تذكره ثم عند التذكر يترتب الميل عليه ويترتب الفعل على حصول ذلك الميل فالذي أتى به الشيطان الخارجي ليس إلا ذلك التذكر وإليه الإشارة بقوله تعالى حاكيا عن إبليس أنه قال {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} [ إبراهيم : 22 ] إلا أنه بقي لقائل أن يقول : فالإنسان إنما أقدم على المعصية بتذكير الشيطان فالشيطان إن كان إقدامه على المعصية بتذكير شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وإن كان عمل ذلك الشيطان ليس لأجل شيطان آخر يثبت أن ذلك الشيطان الأول إنما أقدم على ما أقدم عليه لحصول ذلك الاعتقاد في قلبه ولا بد لذلك الاعتقاد الحادث من سبب وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى وعند هذا يظهر أن الكل من الله تعالى فهذا غاية الكلام في هذا البحث الدقيق العميق وصار حاصل الكلام ما قاله سيد الرسل عليه الصلاة والسلام وهو قوله # أعوذ بك منك والله أعلم . المسألة الحادية عشرة ، اعلم أن الإنسان إذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه ودماغه أصواتا خفية وحروفا خفية فكأن متكلما يتكلم معه ومخاطبا يخاطبه فهذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة إن تلك الأشياء ليست حروفا ولا أصواتا وإنما هي تخيلات الحروف والأصوات وتخيل الشيء عبارة عن حضور رسمه ومثاله في الخيال وهذا كما أنا إذا تخيلنا صور الجبال والبحار والأشخاص فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل والقلب بل الموجود في العقل والقلب صورها وأمثلتها ورسومها وهي على سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة فإنا إذا أحسسنا في المرآة صورة الفلك والشمس والقمر فليس ذلك لأجل أنه حضرت ذوات هذه الأشياء في المرآة فإن ذلك محال وإنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء وأمثلتها وصورها وإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك فهذا قول جمهور الفلاسفة ولقائل أن يقول : هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات هل هو مساو للحرف والكلمة في الماهية أو لا ؟ فإن حصلت المساواة فقد عاد الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف والأصوات وإلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء وإن كان الحق هو الثاني - وهو أن الحاصل في الخيال شيء آخر مخالف للمبصرات والمسموعات - فحينئذ يعود السؤال وهو : أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات وكيف نجد من أنفسنا هذه الكلمة والعبارات وجدانا لا نشك أنها حروف متوالية على العقل وألفاظ متعاقبة عل الذهن فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة أما الجمهور الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف وأصوات حقيقة . واعلم أن القائلين بهذا القول قالوا : فاعل هذه الحروف والأصوات إما ذلك الإنسان أو إنسان آخر وإما شيء آخر روحاني مباين يمكنه إلقاء هذه الحروف والأصوات إلى هذا الإنسان سواء قيل إن ذلك المتكلم هو الجن والشياطين أو الملك وإما أن يقال : خالق تلك الحروف والأصوات هو الله تعالى . أما القسم الأول - وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الإنسان - فهذا قول باطل لأن الذي يحصل باختيار الإنسان يكون قادرا على تركه فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الإنسان لكان الإنسان إذا أراد دفعها أو تركها لقدر عليه ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها فإنه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره وأما القسم الثاني - وهو أنها حصلت بفعل إنسان آخر - فهو ظاهر الفساد ولما بطل هذان القسمان بقي الثالث - وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى . أما الذين قالوا إن الله تعالى لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا إن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى فبقي أنها من أحاديث الجن والشياطين وأما الذين قالوا إنه لا يقبح من الله شيء فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من إسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى . واعلم أن الثنوية يقولون : للعالم إلهان أحدهما خير وعسكره الملائكة والثاني شرير وعسكره الشياطين وهما يتنازعان أبدا كل شيء في هذا العالم فلكل واحد منهما تعلق به والخواطر الداعية إلى أعمال الخير إنما حصلت من عساكر الله والخواطر الداعية إلى أعمال الشر إنما حصلت من عساكر الشيطان واعلم أن القول بإثبات الإلهين قول باطل فاسد على ما ثبت فساده بالدلائل فهذا منتهى القول في هذا الباب . المسألة الثانية عشرة ، من الناس من أثبت لهذه الشياطين قدرة على الإحياء وعلى الإماتة وعلى خلق الأجسام وعلى تغيير الأشخاص عن صورتها الأصلية وخلقتها الأولية ومنهم من أنكر هذه الأحوال وقال : أنه لا قدرة لها على شيء من هذه الأحوال . أما أصحابنا قد أقاموا الدلالة على أن القدرة على الإيجاد والتكوين والإحداث ليست إلا لله فبطلت هذه المذاهب بالكلية . وأما المعتزلة فقد سلموا أن الإنسان قادر على إيجاد بعض الحوادث فلا جرم صاروا محتاجين إلى بيان أن هذه الشياطين لا قدرة لها على خلق الأجسام والحياة ودليلهم أن قالوا الشيطان جسم % وكل جسم فإنه قادر بالقدرة والقدرة لا تصلح لإيجاد الأجسام فهذه مقدمات ثلاث : المقدمة الأولى أن الشيطان جسم وقد بنوا هذه المقدمة على أن ما سوى الله تعالى إما متحيز وإما حال في المتحيز وليس لهم في إثبات هذه المقدمة شبهة فضلا عن حجة وأما المقدمة الثانية - وهي قولهم الجسم إنما يكون قادرا بالقدرة - فقد بنوا هذا على أن الأجسام مما تستلزم مماثلة فلو كان شيء منها قادرا لذاته لكان الكل قادرا لذاته وبناء هذه المقدمة على تماثل الأجسام وأما المقدمة الثالثة - وهي قولهم هذه القدرة التي لنا لا تصلح لخلق الأجسام فوجب أن لا تصلح القدرة الحادثة لخلق الأجسام - وهذا أيضا ضعيف لأنه يقال لهم لم لا يجوز حصول قدرة مخالفة لهذه القدرة الحاصلة لنا وتكون تلك القدرة صالحة لخلق الأجسام فإنه لا يلزم من عدم وجود الشيء في الحال امتناع وجوده ؟ فهذا إتمام الكلام في هذه المسألة . المسألة الثالثة عشرة ، اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب ؟ وقد بين الله تعالى في كتابه أنهم بقوا في قيد سليمان عليه السلام وفي حبسه بعد موته مدة وهم ما كانوا يعلمون موته وذلك يدل على أنهم لا يعلمون الغيب ومن الناس من يقول أنهم يعلمون الغيب ثم اختلفوا فقال بعضهم أن فيهم من يصعد إلى السموات أو يقرب منها ويخبر ببعض الغيوب على ألسنة الملائكة ومنهم من قال : لهم طرق أخرى في معرفة الغيوب لا يعلمها إلا الله واعلم أن فتح الباب في أمثال هذه المباحث لا يفيد إلا الظنون والحسبانات والعالم بحقائقها هو الله تعالى . الركن الخامس من أركان مباحث الاستعاذة المطالب التي لأجلها يستعاذ : اعلم أنا قد بينا أن حاجات العبد غير متناهية فلا خير من الخيرات إلا وهو محتاج إلى تحصيله ولا شر من الشرور إلا وهو محتاج إلى دفعه وإبطاله فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول دفع جميع الشرور الروحانية والجسمانية وكلها أمور غير متناهية ونحن ننبه على معاقدها فنقول : الشرور إما أن تكون من باب الاعتقادات الحاصلة في القلوب وإما أن تكون من باب الأعمال الموجودة في الأبدان أما القسم الأول فيدخل فيه جميع العقائد الباطلة . واعلم أن أقسام المعلومات غير متناهية كل واحد منها يمكن أن يعتقد اعتقادا صوابا صحيحا ويمكن أن يعتقد اعتقادا فاسدا خطأ ويدخل في هذه الجملة مذاهب فرق الضلال في العالم وهي اثنتان وسبعون فرقة من هذه الأمة وسبعامائة أو أكثر خارج عن هذه الأمة فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها وأما ما يتعلق بالأعمال البدنية فهي على قسمين : منها ما يفيد المضار الدينية ومنها ما يفيد المضار الدنيوية فأما المضار الدينية فكل ما نهى الله عنه في جميع أقسام التكاليف وضبطها كالمعتذر وقوله ( أعوذ بالله ) يتناول كلها وأما ما يتعلق بالمضار الدنيوية فهو جميع الآلام والأسقام والحرق والغرق والفقر والزمانة والعمى وأنواعها تقرب أن تكون غير متناهية فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها . والحاصل أن قوله ( أعوذ بالله ) يتناول ثلاثة أقسام وكل واحد منها يجري مجرى ما لا نهاية له أولها الجهل ولما كانت أقسام المعلومات غير متناهية كانت أنواع الجهالات غير متناهية فالعبد يستعذ بالله منها ويدخل في هذه الجملة مذاهب أهل الكفر وأهل البدعة على كثرتها وثانيها الفسق ولما كانت أنواع التكاليف كثيرة جدا وكتب الأحلام محتوية عليها كان قوله : ( أعوذ بالله ) متناولا لكلها وثالثها المكروهات والآفات والمخافات ولما كانت أقسامها وأنواعها غير متناهية كان قوله ( أعوذ بالله ) متناولا لكلها ومن أراد أن يحيط بها فليطالع كتب الطب حتى يعرف في ذلك لكل واحد من الأعضاء أنواعا من الآلام والأسقام ويجب على العاقل أنه إذا أراد أن يقول ( أعوذ بالله ) فإنه يستحضر في ذهنه هذه الأجناس الثلاثة وتقسيم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواعها وأنواع أنواعها ويبالغ في ذلك التقسيم والتفصيل ثم إذا استحضر تلك الأنواع التي لا حد لها ولا عد لها في خياله ثم عرف أن قدرة جميع الخلائق لا تفي بدفع هذه الأقسام على كثرتها فحينئذ يحمله طبعه وعقله على أن يلتجئ إلى القادر على دفع ما لا نهاية له من المقدورات فيقول عند ذلك أعوذ بالله القادر على كل المقدورات من جميع أقسام الآفات والمخافات ولنقتصر على هذا القدر من المباحث في هذا الباب والله الهادي . الباب الثالث ، ، في اللطائف المستنبطة من قولنا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ، النكتة الأولى ، في قوله {أعوذ بالله} عروج من الخلق إلى الخالق ومن الممكن إلى الواجب : وهذا هو الطريق المتعين في أول الأمر لأن في أول الأمر لا طريق إلى معرفته إلا بأن يستدل باحتياج الخلق على وجود الحق الغني القادر فقوله {أعوذ} إشارة إلى الحاجة التامة فإنه لولا الاحتياج لما كان في الاستعاذة فائدة وقوله {بالله} إشارة إلى الغنى التام للحق فقول العبد {أعوذ} إقرار على نفسه بالفقر والحاجة وقوله {بالله} إقرار بأمرين أحدهما بان الحق قادر على تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات والثاني أن غيره غير موصوف بهذه الصفة فلا دافع للحاجات إلا هو ولا معطي للخيرات إلا هو فعند مشاهدة هذه الحالة يفر العبد من نفسه ومن كل شيء سوى الحق فيشاهد في هذا الفرار سر قوله : {ففروا إلى الله} [ الذاريات : 50 ] وهذه الحالة تحصل عند قوله {أعوذ} ثم إذا وصل إلى غيبة الحق وصار غريقا في نور جلال الحق شاهد قوله : قل الله ثم ذرهم فعند ذلك يقول {أعوذ بالله} . النكتة الثانية ، أن قوله {أعوذ بالله} اعتراف بعجز النفس وبقدرة الرب وهذا يدل على أنه لا وسيلة إلى القرب من حضرة الله إلا بالعجز والانكسار ثم من الكلمات النبوية قوله عليه الصلاة والسلام # من عرف نفسه فقد عرف ربه والمعنى من عرف نفسه بالضعف والقصور عرف ربه بأنه هو القادر على كل مقدور ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالفضل والعدل ومن عرف نفسه باختلال الحال عرف ربه بالكمال والجلال . النكتة الثالثة ، أن الإقدام على الطاعات لا يتيسر إلا بعد الفرار من الشيطان وذلك هو الاستعاذة بالله إلا أن هذه الاستعاذة نوع من أنواع الطاعة فإن كان الإقدام على الطاعة يوجب تقديم الاستعاذة عليها افتقرت الاستعاذة إلى تقديم استعاذة أخرى ولزم التسلسل وإن كان الإقدام على الطاعة لا يحوج إلى تقديم الاستعاذة عليها لم يكن في الاستعاذة فائدة فكأنه قيل له : الإقدام على الطاعة لا يتم إلا بتقديم الاستعاذة عليها وذلك يوجب الإتيان بما لا نهاية له وذلك ليس في وسعك إلا أنك إذا عرفت هذه الحالة فقد شاهدت عجزك واعترفت بقصورك فأنا أعينك على الطاعة وأعلمك كيفية الخوض فيها فقل {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} . النكتة الرابعة ، أن سر الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك ثم إن أجل الأمور التي يلقي الشيطان وسوسته فيها قراءة القرآن لأن من قرأ القرآن ونوى به عبادة الرحمن وتفكر في وعده ووعيده وآياته وبيناته ازدادت رغبته في الطاعات ورهبته عن المحرمات ؛ فلهذا السبب صارت قراءة القرآن من أعظم الطاعات فلا جرم كان سعي الشيطان في الصد عنه أبلغ وكان احتياج العبد إلى من يصونه عن شر الشيطان أشد فلهذه الحكمة اختصت قراءة القرآن بالاستعاذة . النكتة الخامسة ، الشيطان عدو الإنسان كما قال تعالى : {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} [ فاطر : 6 ] والرحمن مولى الإنسان وخالقة ومصلح مهماته ثم إن الإنسان عند شروعه في الطاعات والعبادات خاف العدو فاجتهد في أن يتحرى مرضاة مالكه ليخلصه من زحمة ذلك العدو فلما وصل الحضرة وشاهد أنواع البهجة والكرامة نسي العدو وأقبل بالكلية على خدمة الحبيب فالمقام الأول هو الفرار وهو قوله : {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} والمقام الثاني هو الاستقرار في حضرة الملك الجبار فهو قوله {بسم الله الرحمن الرحيم} . النكتة السادسة ، قال تعالى {لا يمسه إلا المطهرون} فالقلب لما تعلق بغير الله واللسان لما جرى بذكر غير الله حصل فيه نوع من اللوث فلا بد من استعمال الطهور فلما قال {أعوذ بالله} حصل الطهور فعند ذلك يستعد للصلاة الحقيقية وهي ذكر الله تعالى فقال {بسم الله} . النكتة السابعة ، قال أرباب الإشارات : لك عدوان أحدهما ظاهر والآخر باطن وأنت مأمور بمحاربتهما قال تعالى في العدو الظاهر : {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} [ التوبة : 29 ] وقال في العدو الباطن {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} [ فاطر : 6 ] فكأنه تعالى قال : إذا حاربت عدوك الظاهر كان مددك الملك كما قال تعالى : {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} [ آل عمران : 125 ] وإذا حاربت عدوك الباطن كان مددك الملك كما قال تعالى : {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [ الإسراء : 65 ] وأيضا فمحاربة العدو الباطن أولى من محاربة العدو الظاهر ؛ لأن العدو الظاهر إن وجد فرصة ففي متاع الدنيا والعدو الباطن إن وجد فرصة ففي الدين واليقين وأيضا فالعدو الظاهر إن غلبنا كنا مأجورين والعدو الباطن إن غلبنا كنا مفتونين وأيضا فمن قتله العدو الظاهر كان شهيدا ومن قتله العدو الباطن كان طريدا فكان الاحتراز عن شر العدو الباطن أولى وذلك لا يكون إلا بأن يقول الرجل بقلبه ولسانه {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} . النكتة الثامنة ، أن قلب المؤمن أشرف البقاع فلا تجد ديارا طيبة ولا بساتين عامرة ولا رياضا ناضرة إلا وقلب المؤمن أشرف منها بل قلب المؤمن كالمرآة في الصفاء بل فوق المرآة لأن المرآة إن عرض عليها حجاب لم ير فيها شيء وقلب المؤمن لا يحجبه السموات السبع والكرسي والعرش كما قال تعالى : {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [ فاطر : 10 ] بل القلب مع جميع هذه الحجب يطالع جلال الربوبية ويحيط علما بالصفات الصمدية ومما يدل على أن القلب أشرف البقاع وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام قال القبر روضة من رياض الجنة وما ذاك إلا أنه صار مكان عبد صالح ميت فإذا كان القلب سريرا لمعرفة الله وعرشا لإلهيته وجب أن يكون القلب أشرف البقاع الثاني : كأن الله تعالى يقول : يا عبدي قلبك بستاني وجنتي بستانك فلما لم تبخل علي ببستانك بل أنزلت معرفتي فيه فكيف أبخل ببستاني عليك وكيف أمنعك منه ؟ الثالث : أنه تعالى حكى كيفية نزول العبد في بستان الجنة فقال : {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} [ القمر : 55 ] ولم يقل عند المليك فقط كأنه قال : أنا في ذلك اليوم أكون مليكا مقتدرا وعبيدي يكونون ملوكا إلا أنهم يكونون تحت قدرتي . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : كأنه تعالى يقول : يا عبدي إني جعلت جنتي لك وأنت جعلت جنتك لي لكنك ما انصفتني فهل رأيت جنتي الآن وهل دخلتها ؟ فيقول العبد : لا يا رب فيقول تعالى : وهل دخلت جنتك ؟ فلا بد وأن يقول العبد : نعم يا رب فيقول تعالى : إنك بعد ما دخلت جنتي ولكن لما قرب دخولك أخرجت الشيطان من جنتي لأجل نزولك وقلت له اخرج منها مذؤوما مدحورا فأخرجت عدوك قبل نزولك وأما أنت فبعد نزولي في بستانك سبعين سنة كيف يليق بك أن لا تخرج عدوي ولا تطرده فعند ذلك يجيب العبد ويقول : إلهي أنت قادر على إخراجه من جنتك وأما أنا فعاجز ضعيف ولا أقدر على إخراجه فيقول الله تعالى : العاجز إذا دخل في حماية الملك القاهر صار قويا فادخل في حمايتي حتى تقدر على إخراج العدو من جنة قلبك فقل {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} . فإن قيل : فإذا كان القلب بستان الله فلماذا لا يخرج الشيطان منه ؟ قلنا قال أهل الإشارة : كانه تعالى يقول للعبد أنت الذي أنزلت سلطان المعرفة في حجرة قلبك ومن أراد أن ينزل سلطانا في حجرة نفسه وجب عليه أن يكنس تلك الحجرة وأن ينظفها ولا يجب على السلطان تلك الأعمال فنظف أنت حجرة قلبك من لوث الوسوسة فقل {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} . النكتة التاسعة ، كأنه تعالى يقول يا عبدي ما أنصفتني أتدري لأي شيء تكدر ما بيني وبين الشيطان ؛ إنه كان يعبدني مثل عباده الملائكة وكان في الظاهر مقرا بإلهيتي وإنما تكدر ما بيني وبينه لأني أمرته بالسجود لأبيك آدم فامتنع فلما تكبر نفيته عن خدمتي وهو في الحقيقة ما عادى أباك إنما امتنع من خدمتي ثم إنه يعاديك منذ سبعين سنة وأنت تحبه وهو يخالفك في كل الخيرات وأنت توافقه في كل المرادات فاترك هذه الطريقة المذمومة وأظهر عداوته فقل : {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} .

النكتة العاشرة ، أما إن نظرت إلى قصة أبيك فإنه أقسم بأنه له من الناصحين ثم كان عاقبة ذلك الأمر أنه سعى في إخراجه من الجنة وأما في حقك فإنه أقسم بأنه يضلك ويغويك فقال : {فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} [ ص : 82 ] فإذا كانت هذه معاملته مع من أقسم أنه ناصحه فكيف تكون معاملته مع من أقسم أنه يضله ويغويه . النكتة الحادية عشرة ، إنما قال : {أعوذ بالله} ولم يذكر اسما آخر بل ذكر قوله : {الله} لأن هذا الاسم أبلغ في كونه زاجرا عن المعاصي من سائر الأسماء والصفات لأن الإله هو المستحق للعبادة ولا يكون كذلك إلا إذا كان قادرا عليما حكيما فقوله : {أعوذ بالله} جار مجرى أن يقول أعوذ بالقادر العليم الحكيم وهذه الصفات هي النهاية في الزجر وذلك لأن السارق يعلم قدرة السلطان وقد يسرق ماله لأن السارق عالم بأن ذلك السلطان وإن كان قادرا إلا أنه غير عالم فالقدرة وحدها غير كافية في الزجر بل لا بد معها من العلم وأيضا فالقدرة والعلم لا يكفيان في حصول الزجر لأن الملك إذا رأى منكرا إلا أنه لا ينهي عن المنكر لم يكن حضوره مانعا منه أما إذا حصلت القدرة وحصل العلم وحصلت الحكمة المانعة من القبائح فههنا يحصل الزجر الكامل ؛ فإذا قال العبد {أعوذ بالله} فكأنه قال أعوذ بالقادر العليم الحكيم الذي لا يرضى بشيء من المنكرات فلا جرم يحصل الزجر التام . النكتة الثانية عشرة ، لما قال العبد {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} دل ذلك على أنه لا يرضى بأن يجاور الشيطان وإنما لم يرض بذلك لأن الشيطان عاص وعصيانه لا يضر هذا المسلم في الحقيقة فإذا كان العبد لا يرضى بجوار العاصي فبأن لا يرضى بجوار عين المعصية أولى . النكتة الثالثة عشرة ، الشيطان اسم والرجيم صفة ثم إنه تعالى لم يقتصر على الاسم بل ذكر الصفة فكأنه تعالى يقول إن هذا الشيطان بقي في الخدمة ألوفا من السنين فهل سمعت أنه ضرنا أو فعل ما يسوءنا ؟ ثم إنا مع ذلك رجمناه حتى طردناه وأما أنت فلو جلس هذا الشيطان معك لحظة واحدة لألقاك في النار الخالدة فكيف لا تشتغل بطرده ولعنه فقل {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} . النكتة الرابعة عشرة ، لقائل أن يقول : لم لم يقل أعوذ بالملائكة مع أن أدون ملك من الملائكة يكفي في دفع الشيطان ؟ فما السبب في أن جعل ذكر هذا الكلب في مقابلة ذكر الله تعالى ؟ وجوابه كأنه تعالى يقول : عبدي إنه يراك وأنت لا تراه بدليل قوله تعالى : {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} [ الأعراف : 27 ] وإنما نفذ كيده لأنه يراكم وأنتم لا ترونه فتمسكوا بمن يرى الشيطان ولا يراه الشيطان وهو الله سبحانه وتعالى فقولوا {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} . النكتة الخامسة عشرة ، أدخل الألف واللام في الشيطان ليكون تعريفا للجنس ؛ لأن الشياطين كثيرة مرئية وغير مرئية بل المرئي ربما كان أشد حكي عن بعض المذكرين أنه قال في مجلسه : إن الرجل إذا أراد أن يتصدق فإنه يأتيه سبعون شيطانا فيتعلقون بيديه ورجليه وقلبه ويمنعونه من الصدقة فلما سمع بعض القوم ذلك فقال : إني أقاتل هؤلاء السبعين وخرج من المسجد وأتى المنزل وملأ ذيله من الحنطة وأراد أن يخرج ويتصدق به فوثبت زوجته وجعلت تنازعه وتحاربه حتى أخرجت ذلك من ذيله فرجع الرجل خائبا إلى المسجد فقال المذكر : ماذا عملت ؟ فقال : هزمت السبعين فجاءت أمهم فهزمتني . وأما إن جعلنا الألف واللام للعهد فهو أيضا جائز لأن جميع المعاصي برضى هذا الشيطان والراضي يجري مجرى الفاعل له وإذا استبعدت ذلك فاعرفه بالمسألة الشرعية فإن عند أبي حنيفة قراءة الإمام قراءة للمقتدي من حيث رضي بها وسكت خلفه . النكتة السادسة عشرة ، الشيطان مأخوذ من شطن إذا بعد فحكم عليه بكونه بعيدا وأما المطيع فقريب قال الله تعالى : {واسجد واقترب} [ العلق : 19 ] والله قريب منك قال الله تعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} [ البقرة : 186 ] وأما الرجيم فهو المرجوم بمعنى كونه مرميا بسهم اللعن والشقاوة وأما أنت فموصول بحبل السعادة قال الله تعالى : {وألزمهم كلمة التقوى} [ الفتح : 26 ] فدل هذا على أنه جعل الشيطان بعيدا مرجوما وجعلك قريبا موصولا ثم إنه تعالى أخبر إنه لا يجعل الشيطان الذي هو بعيد قريبا لأنه تعالى قال : {ولن تجد لسنة الله تحويلا} [ فاطر : 43 ] فاعرف أنه لما جعلك قريبا فإنه لا يطردك ولا يبعدك عن فضله ورحمته . النكتة السابعة عشرة ، قال جعفر الصادق : إنه لا بد قبل القراءة من التعوذ وأما سائر الطاعات فإنه لا يتعوذ فيها والحكمة فيه أن العبد قد ينجس لسانه بالكذب والغيبة والنميمة فأمر الله تعالى العبد بالتعوذ ليصير لسانه طاهرا فيقرأ بلسان طاهر كلاما أنزل من رب طيب طاهر . النكتة الثامنة عشرة ، كأنه تعالى يقول : إنه شيطان رجيم وأنا رحمن رحيم فابعد عن الشيطان الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم . النكتة التاسعة عشرة ، الشيطان عدوك وأنت عنه غافل غائب قال تعالى : {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} [ الأعراف : 27 ] فعلى هذا لك عدو غائب ولك حبيب غالب لقوله تعالى : {والله غالب على أمره} [ يوسف : 21 ] فإذا قصدك العدو الغائب فافزع إلى الحبيب الغالب والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده . الباب الرابع ، ، في المسائل الملتحقة بقوله ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ، ، المسألة الأولى ، فرق بين أن يقال أعوذ بالله وبين أن يقال بالله أعوذ فإن الأول لا يفيد الحصر والثاني يفيده فلم ورد الأمر بالأول دون الثاني مع أنا بينا أن الثاني أكمل وأيضا جاء قوله الحمد لله وجاء قوله لله الحمد وأما هنا فقد جاء أعوذ بالله وما جاء قوله بالله أعوذ فما الفرق ؟ ، المسألة الثانية ، قوله {أعوذ بالله} لفظه الخبر ومعناه الدعاء والتقدير : اللهم أعذني ألا ترى أنه قال : {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} [ آل عمران : 36 ] كقوله أستغفر الله أي اللهم اغفر لي والدليل عليه أن قوله {أعوذ بالله} إخبار عن فعله وهذا القدر لا فائدة فيه إنما الفائدة في أن يعيذه الله فما السبب في أنه قال أعوذ بالله ولم يقل أعذني ؟ والجواب أن بين الرب وبين العبد عهدا كما قال تعالى : {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [ النحل : 91 ] وقال {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} [ البقرة : 40 ] فكأن العبد يقول أنا مع لؤم الإنسانية ونقص البشرية وفيت بعهد عبوديتي حيث قلت : أعوذ بالله فأنت مع نهاية الكرم وغاية الفضل والرحمة أولى بأن تفي بعهد الربوبية فتقول : إني أعيذك من الشيطان الرجيم . المسألة ج : أعوذ فعل مضارع وهو يصلح للحال والاستقبال فهل هو حقيقة فيهما ؟ والحق أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال وإنما يختص به بحرف السين وسوف . ( د ) لم وقع الاشتراك بين الحاضر والمستقبل ولم يقع بين الحاضر والماضي ؟ ( ه ) كيف المشابهة بين المضارع وبين الاسم . ( و ) كيف العامل فيه ولا شك أنه معمول فما هو . ( ز ) قوله {أعوذ} يدل على أن العبد مستعيذ في الحال وفي كل المستقبل وهو الكمال فهل يدل على أن هذه الاستعاذة باقية في الجنة . ( ح ) قوله {أعوذ} حكاية عن النفس ولا بد من الأربعة المذكورة في قوله {آتين} [ الأحزاب : 33 ] . أما المباحث العقلية المتعلقة بالباء في قوله أعوذ بالله فهي كثيرة ( أ ) الباء في قوله بالله باء الإلصاق وفيه مسائل ، المسألة الأولى ، البصريون يسمونه باء الألصاق والكوفيون يسمونه باء الآلة ويسميه قوم باء التضمين واعلم أن حاصل الكلام أن هذه الباء متعلقة بفعل لا محالة ؛ والفائدة فيه أنه لا يمكن إلصاق ذلك الفعل بنفسه إلا بواسطة الشيء الذي دخل عليه هذا الباء فهو باء الإلصاق لكونه سببا للإلصاق وباء الآلة لكونه داخلا على الشيء الذي هو آلة . المسألة الثانية ، اتفقوا على أنه لا بد فيه من إضمار فعل فإنك إذا قلت بالقلم لم يكن ذلك كلاما مفيدا بل لا بد وأن تقول كتبت بالقلم وذلك يدل على أن هذه الحرف متعلق بمضمر ونظيره قوله بالله لأفعلن ومعناه أحلف بالله لأفعلن فحذف أحلف لدلالة الكلام عليه فكذا ههنا ويقول الرجل لمن يستأذنه في سفره : على اسم الله أي سر على اسم الله . المسألة الثالثة ، لما ثبت أنه لا بد من الإضمار فنقول : الحذف في هذا المقام أفصح والسبب فيه أنه لو وقع التصريح بذلك المضمر لاختص قوله أعوذ بالله بذلك الحكم المعين أما عند الحذف فإنه يذهب الوهم كل مذهب ويقع في الخاطر أن جميع المهمات لا تتم إلا بواسطة الاستعاذة بالله وإلا عند الابتداء باسم الله ونظيره أنه قال الله أكبر ولم يقل فإنه أكبر من الشيء الفلاني لأجل ما ذكرناه من إفادة العموم فكذا هنا . المسألة الرابعة ، قال سيبويه لم يكن لهذه الباء عمل إلا الكسر فكسرت لهذا السبب فإن قيل : كاف التشبيه ليس لها عمل إلا الكسر ثم إنها ليست مكسورة بل مفتوحة قلنا : كاف التشبيه قائم مقام الاسم وهو في العمل ضعيف أما الحرف فلا وجود له إلا بحسب هذا الأثر فكان فيه كلاما قويا . المسألة الخامسة ، الباء قد تكون أصلية كقوله تعالى : {قل ما كنت بدعا من الرسل} [ الأحقاف : 9 ] وقد تكون زائدة وهي على أربعة أوجه أحدها للإلصاق وهي كقوله {أعوذ بالله} وقوله {بسم الله} وثانيها للتبعيض عند الشافعي رضي الله عنه وثالثها لتأكيد النفي كقوله تعالى {وما ربك بظلام للعبيد} [ فصلت : 46 ] ورابعها للتعدية كقوله تعالى {ذهب الله بنورهم} [ البقرة : 17 ] أي أذهب نورهم وخامسها الباء بمعنى في قال : % ( حل بأعدائك ما حل بي % ) % أي : حل في أعدائك وأما باء القسم وهو قوله بالله فهو من جنس باء الإلصاق . المسألة السادسة ، قال بعضهم : الباء في قوله : {وامسحوا برؤوسكم} [ المائدة : 6 ] زائدة والتقدير : وامسحوا رؤسكم وقال الشافعي رضي الله عنه إنها تفيد التبعيض حجة الشافعي رضي الله عنه وجوه الأول أن هذه الباء إما أن تكون لغوا أو مفيدا والأول باطل ؛ لأن الحكم بأن كلام رب العالمين وأحكم الحاكمين لغو في غاية البعد وذلك لأن المقصود من الكلام إظهار الفائدة فحمله على اللغو على خلاف الأصل فثبت أنه يفيد فائدة زائدة وكل من قال بذلك قال إن تلك الفائدة هي التبعيض الثاني أن الفرق بين قوله مسحت بيدي المنديل وبين قوله مسحت يدي بالمنديل يكفي في صحة صدقه ما إذا مسح يده بجزء من أجزاء المنديل . الثالث : أن بعض أهل اللغة قال : الباء قد تكون للتبعيض وأنكره بعضهم لكن رواية الإثبات راجحة فثبت أن الباء تفيد التبعيض ومقدار ذلك البعض غير مذكور فوجب أن تفيد أي مقدار يسمى بعضا فوجب الاكتفاء بمسح أقل جزء من الرأس وهذا هو قول الشافعي والإشكال عليه أنه تعالى قال : {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} [ النساء : 43 ] فوجب أن يكون مسح أقل جزء من أجزاء الوجه واليد كافيا في التيمم وعند الشافعي لا بد فيه من الإتمام وله أن يجيب فيقول : مقتضى هذا النص الاكتفاء في التيمم بأقل جزء من الأجزاء إلا أن عند الشافعي الزيادة على النص ليست نسخا فأوجبنا الإتمام لسائر الدلائل وفي مسح الرأس لم يوجد دليل يدل على وجوب الإتمام فاكتفينا بالقدر المذكور في هذا النص . المسألة السابعة ، فرع أصحاب أبي حنيفة على باء الإلصاق مسائل : إحداها قال محمد في الزيادات : إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق بمشيئة الله تعالى لا يقع الطلاق وهو كقوله : أنت طالق إن شاء الله ولو قال : لمشيئة الله يقع لأنه أخرجه مخرج التعليل وكذلك أنت طالق بإرادة الله لا يقع الطلاق ولو قال لإرادة الله يقع أما إذا قال : أنت طالق بعلم الله أو لعلم الله فإنه يقع الطلاق في الوجهين ولا بد من الفرق وثانيها قال في كتاب الأيمان لو قال لامرأته : إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فأنت طالق فإنها تحتاج في كل مرة إلى إذنه ولو قال : إن خرجت إلا أن آذن لك فأذن لها مرة كفى ولا بد من الفرق وثالثها لو قال لامرأته : طلقي نفسك ثلاثا بألف فطلقت نفسها واحدة وقعت بثلث الألف وذلك أن الباء ههنا تدل على البدلية فيوزع البدل على المبدل فصار بإزاء كل طلقة ثلث الألف ولو قال : طلقي نفسك ثلاثا على ألف فطلقت نفسها واحدة لم يقع شيء عند أبي حنيفة لأن لفظة على كلمة شرط ولم يوجد الشرط وعند صاحبيه تقع واحدة بثلث الألف . قلت : وههنا مسائل كثيرة متعلقة بالباء . ( أ ) قال أبو حنيفة : الثمن إنما يتميز عن المثمن بدخول حرف الباء عليه فإذا قال : بعت كذا بكذا فالذي دخل عليه الباء هو الثمن فقط وعلى هذا الفرق بنى مسألة البيع الفاسد فإنه قال : إذا قال : بعت هذا الكرباس بمن من الخمر صح البيع وانعقد فاسدا وإذا قال بعت هذا الخمر بهذا الكرباس لم يصح والفرق أن في الصورة الأولى الخمر ثمن وفي الصورة الثانية الخمر مثمن وجعل الخمر ثمنا جائزا اما جعله مثمنا فإنه لا يجوز . ( ب ) قال الشافعي : إذا قال بعت منك هذا الثوب بهذا الدرهم تعين ذلك الدرهم وعند أبي حنيفة لا يتعين . ( ج ) قال الله تعالى : {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [ التوبة : 111 ] فجعل الجنة ثمنا للنفس والمال . ومن أصول الفقه مسائل ( أ ) الباء تدل على السببية قال الله تعالى {ذلك بأنهم شاقوا الله} [ الأنفال : 13 ] ههنا الباء دلت على السببية وقيل : إنه لا يصح لأنه لا يجوز إدخال لفظ الباء على السبب فيقال ثبت هذا الحكم بهذا السبب . ( ب ) إذا قلنا الباء تفيد السببية فما الفرق بين باء السببية وبين لام السببية ؟ لا بد من بيانه . ( ج ) الباء في قوله # سبحانك اللهم وبحمدك لا بد من البحث عنه فإنه لا يدري أن هذه الباء بماذا تتعلق وكذلك البحث عن قوله : {ونحن نسبح بحمدك} [ البقرة : 30 ] فإنه يجب البحث عن هذه الباء . ( د ) قيل : كل العلوم مندرج في الكتب الأربعة وعلومها في القرآن وعلوم القرآن في الفاتحة وعلوم الفاتحة في ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وعلومها في الباء من بسم الله قلت لأن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب وهذا الباء باء الإلصاق فهو يلصق العبد بالرب فهو كمال المقصود . النوع الثالث من مباحث هذا الباب مباحث حروف الجر : فإن هذه الكلمة اشتملت على نوعين منها أحدهما الباء ؛ وثانيهما لفظ من فنقول : في لفظ من مباحث : - ( أ ) أنك تقول أخذت المال من ابنك فتكسر النون ثم تقول أخذت المال من الرجل فتفتح النون فههنا اختلف آخر هذه الكلمة وإذا اختلفت الأحوال دلت على اختصاص كل حالة بهذه الحركة فههنا اختلف آخر هذه الكلمة باختلاف العوامل فإنه لا معنى للعامل إلا الأمر الدال على استحقاق هذه الحركات فوجب كون هذه الكلمة معربة . ( ب ) كلمة من وردت على وجوه أربعة : ابتداء الغاية والتبعيض والتبيين والزيادة . ( ج ) قال المبرد : الأصل هو ابتداء الغاية والبواقي مفرعة عليه وقال آخرون : الأصل هو التبعيض والبواقي مفرعة عليه . ( د ) أنكر بعضهم كونها زائدة وأما قوله تعالى : {يغفر لكم من ذنوبكم} [ آل عمران : 31 ] فقد بينوا أنه يفيد فائدة زائدة فكأنه قال يغفر لكم بعض ذنوبكم ومن غفر كل بعض منه فقد غفر كله . ( ه ) الفرق بين من وبين عن لا بد من ذكره قال الشيطان {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [ الأعراف : 17 ] وفيه سؤالان : الأول : لم خص الأولين بلفظ من والثالث والرابع بلفظ عن . الثاني : لما ذكر الشيطان لفظ من ولفظ عن فلم جاءت الاستعاذة بلفظ من فقال {أعوذ بالله من الشيطان} ولم يقل عن الشيطان . النوع الرابع ، من مباحث هذا الباب : - ( أ ) الشيطان مبالغة في الشيطنة كما أن الرحمن مبالغة في الرحمة والرجيم في حق الشيطان فعيل بمعنى مفعول كما أن الرحيم في حق الله تعالى فعيل بمعنى فاعل إذا عرفت هذا فهذه الكلمة تقتضي الفرار من الشيطان الرجيم إلى الرحمن الرحيم وهذا يقتضي المساواة بينهما وهذا ينشأ عنه قول الثنوية الذين يقولون إن الله وإبليس أخوان إلا أن الله هو الأخ الكريم الرحيم الفاضل وإبليس هو الأخ اللئيم الخسيس المؤذي فالعاقل يفر من هذا الشرير إلى ذلك الخير . ( ب ) الإله هل هو رحيم كريم ؟ فإن كان رحيما كريما فلم خلق الشيطان الرجيم وسلطه على العباد وإن لم يكن رحيما كريما فأي فائدة في الرجوع إليه والاستعاذة به من شر الشيطان . ( ج ) الملائكة في السموات هل يقولون {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} فإن ذكروه فإنما يستعيذون من شرور أنفسهم لا من شرور الشيطان . ( د ) أهل الجنة في الجنة هل يقولون أعوذ بالله . ( ه ) الأنبياء والصديقون لم يقولون {أعوذ بالله} مع أن الشيطان أخبر أنه لا تعلق له بهم في قوله {فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} [ ص : 82 ] . ( و ) الشيطان أخبر أنه لا تعلق له بهم إلا في مجرد الدعوة حيث قال : وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم . [ إبراهيم : 22 ] وأما الإنسان فهو الذي ألقى نفسه في البلاء فكانت استعاذة الإنسان من شر نفسه أهم وألزم من استعاذته من شر الشيطان فلم بدأ بالجانب الأضعف وترك الجانب الأهم ؟

Tidak ada komentar:

Posting Komentar